عام على الصفعة – سوسن الأبطح – الشرق الأوسط

عام على انفجار مرفأ بيروت، ازدادت خلاله الحياة شحوباً وقسوة. تتمعّن في ملامح العابرين تعرف أن سنة مضت كأنها دهر. حفرت الأيام أخاديدها في تقاسيم الوجوه، تضاءلت الابتسامات، وخفتت النكات الطريفة التي كانت تنتظرك عند البقّال وبائع الخضراوات وسائق سيارة الأجرة. لم تعد تسمع غير الشكوى والتأفف، والخوف من الآتي.

كانت طوابير السيارات على محطات البنزين قبل سنة، مستهجنة ونادرة، صارت من اليوميات المعتادة. لم تعد الكهرباء أصلاً من ضمن الخدمات التي تقدمها الدولة، شحّت وتضاءلت إلى ساعة في اليوم الواحد. رحم الله أيام كان إطفاء أنوار بيروت الإدارية من المحرمات. الآن يتساوى اللبنانيون في الحرمان والبؤس، وفي ابتكار الأمل واختراع أسبابه. تستخلص بمرور الوقت، أن لا عبثية في لبنان أكبر من تتبع نشرات الأخبار، التي تقول الشيء نفسه كل يوم، مع تبديل طفيف في الأسماء، وتكرار للثأريات السخيفة والمملة، التي تثبت كل يوم، أن ثمة فئة صغيرة تحكم قبضتها على 4 ملايين لبناني بلا رحمة. والحال هذه، ما عاد المواطن يعبأ كثيراً بمن يتولى رئاسة الوزراء، أو من يوزّر في العدل أو الداخلية، فتلك من النوافل. تسمع في الشارع، عبارة واحدة تتردد، أثناء الاستشارات النيابية لاختيار رئيس للوزراء: «إنها مسرحية جديدة». انخفضت الثقة بالطبقة التي تناوبت على الكراسي إلى ما تحت الصفر. الشيء الوحيد الذي يصدقه المواطن، هو حدسه وقدرته على مقاومة الظلم أطول فترة ممكنة. يستعين البعض على انتظار الكارثة، باستخراج جواز سفر. فكل الاحتمالات ممكنة، بما فيها إجبارك على الهرب الذي لا تريد. كان الأمن العام اللبناني يصدر 300 جواز سفر في اليوم الواحد، ارتفعت الطلبات فجأة إلى سبعة آلاف. يحاول المعنيون تفسير الظاهرة، فلا يجدون لها جواباً غير القلق المعشش في النفوس، والتحضّر لأيام لن تسمح باستمرار الصبر.




تبسّمت حين قرأت تصريح الرئيس التونسي قيس سعيد الغاضب من سرقة ما يقارب خمسة مليارات دولار من المال العام، توزعها 460 شخصاً، استحقت منه قلب الطاولة على شركائه في السلطة. ليس استخفافاً بالمليارات، وحقوق المواطنين التونسيين، معاذ الله، لكن مقارنة سريعة مع ما سرق في لبنان تجعلك تفقد صوابك. فقد قدّرت الخزانة الأميركية ما نهب في بلاد الأرز بـ 800 مليار دولار، فيما رأت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن هذه الثروات سطا عليها 90 في المائة ممن حكموا البلاد. لهذا يبدو تبييض صفحة أي من النافذين الكبار في السنوات الثلاثين الماضية التي تراكمت خلالها الديون، ضرباً من إثبات المستحيل. فكل من تولى سلطة، لا بد أن شارك أو هو في أحسن الأحوال شاهد على الجريمة، بعد أن تحولت مؤسسات الدولة إلى بقرات حلوب، والمناقصات المتحورة، آباراً تتدفق منها الدولارات على المحاسيب وزعمائهم. والحق أنه ما جاع فقير إلا بما متع به غني. وما ذهب إلى جيوب الساسة وأتباعهم هي مدخرات اللبنانيين وشقاء أعمارهم، هو تقاعد البعض وتحويشة عمر البعض الآخر، ومدخرات المغتربين، وأموال غير اللبنانيين ممن أمنوا المصارف على ودائعهم.
ما نهب هي الدولارات التي يفترض أن يدفعها المصرف المركزي لاستيراد حليب الأطفال، ودواء المرضى. الشح وصل إلى الأسبرين والبنادول وأدوية بخسة الثمن، لا بد أنها متوفرة في أكثر دول العالم فقراً وعوزاً.

ما يحدث في لبنان سوريالي فعلاً، ثلث الأطفال ينامون ببطون خاوية. الحروب الكثيرة التي مرت على بشاعتها ودمويتها لم تكن بمثل هذا السوء. لم أرَ في حياتي هذا الكم الهائل من البؤساء ينبشون في حاويات القمامة، يبحثون عما يقتاتون به. كسرتني تلك المرأة الثمانينية وهي تبحث عن زادها في مخلفات الآخرين، ألم يعد من حرمة للشيخوخة في بلادنا؟ أماتت الشفقة، ودفنت الرحمة بالعجزة والمسنين؟

خلال الحروب السابقة، عملت المصارف رغم كل الانكسارات، ازدهرت التجارة، بقي معرض الكتاب ينعقد، والمسرحيات تعرض، والحفلات تقام بين معركة وأخرى، والناس يأكلون ويشربون ويسمرون على وقع أصوات القذائف والرصاص. لكل حرب ضحاياها ومآسيها، لكن ما يحدث اليوم، هو تحويل اللبنانيين إلى رهائن للمازوت الذي يخلّف فقدانه العتمة، وشح البنزين، والقمح والدواء، وحتى الماء. كيف لكل هذا أن يحدث في سنة واحدة. أن تغلق المتاجر، ويهجر الناس المدن إلى قراهم، يستنبتون أراضيهم ما تيسر. حتى السياح لم تعد بيروت لهم مقصداً، تراهم يجولون من الشمال إلى الجنوب والبقاع. وسط بيروت أشبه بمنطقة محظورة أو موبوءة لا تصلح لغير الاحتجاجات والصراخ وتكسير ما تبقى من هيبة العاصمة.

منذ انفجار المرفأ تضاعف سعر الدولار بالنسبة لليرة اللبنانية، تعمّق الجوع، أصبحت الموسيقى حزينة والمعزوفات جنائزية. عدت صدفة لقراءة مقاطع من رواية «مطر حزيران» التي كتبها راحلنا وصديقنا العزيز جبور الدويهي قبل عام 2006، وما كتبه وأصدره قبل رحيله في رواية «سمّ في الهواء». رغم أن الروايتين تتحدثان عن الحرب وآثارها المدمرة على البشر، ترى في الأولى جملة متراخية، حكاية يرويها من بعيد بعين باردة، أما روايته الأخيرة، التي كتبت في خضم الانهيار، فمليئة بالغضب والسورة. جبور الهادئ المستكين يحكي هذه المرة عن الجزارين الذين يتفننون وهم يقتلون ذبائحهم بدم بارد، لينتهوا إلى ذبح بعضهم البعض. ويتحدث جبور عن بطله الباحث عن خلاص الذي ينتهي إلى حالة من استنفاد الصبر والجنون، وإحراق كتبه واحدها بعد الآخر.

بطل يشبه حاله اللبنانيين وهم يقاومون الجنون. أليس من الغريب أن حي مار مخايل الذي دمر عن بكرة أبيه بالانفجار، هو من بين الأحياء القليلة، إن لم يكن الوحيد الذي يزدحم بالسهارى والباحثين عن النسيان في ليالي بيروت الحزينة. يعج الشارع بالموسيقى الصاخبة والفرح ويجتاحه اللاهون عن مصير غامض ينتظرهم.

مرور سنة على الانفجار الذي شكل أكبر صفعة على وجه اللبنانيين في تاريخهم الحديث، ودمر نصف عاصمتهم بلمح البصر، ذكرى مؤلمة، سيبقى جرحها نازفاً، ما دام الثكالى والمصابون واليتامى، يعرفون أن العدالة ليس لبنان مكانها، ولا استرجاع مئات المليارات المنهوبة هذا أوانه.