تصفية الحسابات انطلقت على وقْع التأليف… الرياض لم تتدخل وباقية على موقفها

ما زالت الطقوس التقليدية من استشارات التكليف إلى التأليف مستمرة، وما استرعى الانتباه أنّ جميع الكتل النيابية قالت للرئيس المكلف نجيب ميقاتي إنّها لا تريد شيئاً ولن تطلب أي حقائب وزارية، وفي المحصلة هم يريدون كل شيء، وقد يكون بعضهم صادقاً إنّما يدرك أنّ خزينة الدولة فرغت والبلد انهار، ومن الطبيعي انه لن يطالب بأي حصص في هذه المرحلة، بل هم يسعون إلى حكومة “كيف ما كان” على اعتبار أنّ المنظومة تنهار في موازاة الانحدار المالي والاقتصادي، وبالنتيجة لم تعد هذه الطقوس تنفع حيث يجب الإسراع في تأليف حكومة قبل فوات الأوان.

في السياق، كان لافتاً أنّ عبارة “الله يعين البلد والرئيس المكلف” هي السائدة، بدءاً مما قالته “كتلة المستقبل” في الاستشارات، ليردّد هذه العبارة النائب فريد هيكل الخازن بعد خروجه مع نواب “التكتل الوطني” من المجلس، مرفقاً ذلك بهجوم عنيف على العهد، ما يعني أنّ هذا الاشتباك الداخلي من أكثر من كتلة وفي الطليعة الرئيس سعد الحريري، يدلّ على سلسلة محطات مقبل عليها البلد، أبرزها أنّ تصفية الحسابات السياسية انطلقت بقوة بين “بيت الوسط” وبعبدا و”التيار الوطني الحر”، والأمر عينه بين زعيم “تيار المردة” والعهد وتياره، ورئيس مجلس النواب نبيه بري ليس بمنأى عن الحساب العسير بينه وبين رئيس الجمهورية وصهره، ما يؤشر إلى عامل آخر، وهنا بيت القصيد، أي معركة رئاسة الجمهورية، وسط سؤال: هل سيتمكن ميقاتي من التأليف أمام هذا الكمّ من الانقسامات والخلافات وفتح المعارك الجانبية وهو المدعوم من “بيت الوسط” ونادي رؤساء الحكومات السابقين، والأمر عينه ينسحب على الوزير السابق سليمان فرنجية ورئيس المجلس النيابي، باعتبار هؤلاء من الداعمين والمؤيدين للرئيس المكلف.




في هذا الإطار، تؤكد مصادر سياسية مطلعة لـ”النهار” أنّ مسألة تصفية الحسابات متوقَّعة، وخصوصاً أمام الاستحقاقات الداهمة وفي مقدمها الانتخابات النيابية المقبلة، وانّ رؤساء الكتل والزعامات والمرجعيات السياسية والأحزاب سيرفعون من منسوب خطاباتهم الشعبوية، ومن هنا تتوالى هذه المواقف، أكان من ضمن فريق العهد أو “تيار المستقبل” وسائر القوى السياسية، خصوصاً أنّهم بحاجة إلى جرعات من مناصريهم ومحازبيهم وجمهورهم على خلفية ما خلّفته ثورة 17 تشرين، إضافةً إلى الانهيار الاقتصادي والحملات التي طاولت الزعامات والأحزاب ولم ترحم أحداً، ما يعني أنّنا أمام مرحلة استنهاض انطلقت، أكان على هامش استشارات التكليف أو التأليف ولاحقاً مؤتمر الرئيس الحريري، والسبحة ستكر تباعاً في هذه الظروف الاستثنائية، بحيث سيسعى كل زعيم ومرجع سياسي إلى دق النفير، لعله يؤدي الغرض المطلوب ألا وهو استعادة زعامته وشعبيته وما فقده في هذه المرحلة.

وتضيف المصادر أنّ ذلك قد لا يؤثر على التأليف، لأنّ كل شيء متّفَق عليه أكان في “نادي رؤساء الحكومات السابقين” أو بين “بيت الوسط” والرئيس المكلف. ويكشف مرجع سياسي بارز أنّ معلوماته تؤكد ان “حظوظ التأليف والاعتذار متساوية حتى الآن، ونحن بحاجة إلى أيام كي تتضح الصورة على ضوء بعض المحطات الإقليمية والدولية، وبصراحة الاتكال فقط يتركز على الدعمين الأميركي والفرنسي، ولاسيما باريس التي وعدت ميقاتي بأنّها إلى جانبه، وهذا ما أوحت به واشنطن”. إلا أنّ السؤال: أين يُصرف ذلك؟ فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أطلق مبادرة متكاملة وجاء إلى لبنان مرتين، والأمر عينه لموفدين غربيين وعرب، في ظل ضبابية واضحة للأجواء العربية غير المتحمّسة على الإطلاق لدعم لبنان، وذلك ما تبدى من خلال الفتور الذي واكب عملية الاستشارات والتكليف، وهذا لم يسبق أن حصل في الماضي، ما يعني أنّه لناحية الدعم الذي تحدث عنه الرئيس المكلف أو الضمانات التي تلقاها، فقد سبق للحريري أن مرّ بهذه التجربة وكانت النتيجة إخفاقاً فاعتذاراً.

ويبقى السؤال الكبير: ماذا عن الدعم الخليجي وتحديداً السعودي للرئيس المكلف؟ هنا تؤكد مصادر ديبلوماسية على بيّنة من موقف الرياض، أنّ المملكة قالت كلمتها بالنسبة إلى الوضع اللبناني، بأنّها تدعم أمنه واستقراره وازدهاره، ولكن ثمة مسلّمات وثوابت أعلنتها بوضوح، خصوصاً عبر السفير وليد البخاري من خلال كلمته في بكركي والتي رسمت خريطة طريق للموقف السعودي عبر التشديد على الحفاظ على الطائف وتحصينه وعودة لبنان إلى الحضن العربي وخروجه من المحور الإيراني، إلى ما تتعرض له الرياض من حملات واستهدافات، ولكن لم تلمس أي تجاوب أو تغيير من قِبل المسؤولين اللبنانيين، وفي المحصلة لم تدخل الرياض في مسألة التكليف والتأليف أو الزواريب الضيقة، وهي بالنتيجة على موقفها الواضح تجاه الشأن اللبناني.

النهار