ميقاتي وحدود تدوير الزوايا

علي حمادة – النهار

يبدو من خلال سلوك الرئيس المكلف نجيب ميقاتي انه يحاول قدر المستطاع ان يدوّر الزوايا على المستوى الذي اتسم بالحدة بين الرئيس سعد الحريري ورئيس الجمهورية ميشال عون. فميقاتي قرر منذ اليوم الأول ان يتواصل بشكل مكثف مع رئيس الجمهورية، فقصد قصر بعبدا ليقدم له تصورا عن توزيعة الحقائب الوزارية على قاعدة 24 حقيبة. هذا في الشكل.




لكن ماذا عن المضمون؟

ثمة عقد لا تزال مستعصية وان يكن ميقاتي عازما على تجاوز ما امكن من التي حالت دون تشكيل حكومة الرئيس الحريري. فعقدة وزارة الداخلية التي يصر عليها عون، يستعين على تجاوزها بتأمين دعم من القوى السياسية المعنية، ولا سيما حليف عون الأساسي (“حزب الله”) لكي يقبل بأن تتم تسمية وزير مقبول، ومحايد فيها على قاعدة ان الظرف تغير اليوم، مع الإقرار بأن تكون الحكومة العتيدة، في حال ولادتها، حكومة انتخابات. بمعنى ان وزير الداخلية يجب ان يكون على مسافة واحدة من الجميع لكي لا تتسم إدارة العملية الانتخابية بسيطرة فريق على الوزارة التنفيذية لها، مما قد يؤدي الى الطعن بمشروعية الانتخابات. واعتقادنا ان الرئيس المكلف سيتمكن من اقناع رئيس الجمهورية باسم مقبول ومعقول، لا سيما ان الفرنسيين سيدخلون على الخط من اجل ان يكون وزير الداخلية المعنيّ تنفيذيا بالانتخابات شخصا لا غبار على وسطيته، وحياده.

بالنسبة الى وزارة العدل، الامر مختلف، فعون سيخوض اذا لزم الامر معركة مع ميقاتي لكي يمسك بالوزارة الأهم بالنسبة اليه، وقد يكون مقتل التشكيلة حصول خلاف على حقيبة العدل. لكن ميقاتي اذا ما أراد التمسك بالخطوط العريضة لبيان التأييد الذي حصل عليه من رفاقه في نادي رؤساء الحكومات السابقين، فضلاً عن الرأي العام السنّي، سيضطر الى مواجهة عون مستغلا ميل الأخير مع الحاشية، الى ابراز ليونة معينة، لاثبات ان المشكلة في عملية التأليف السابقة كان مصدرها الرئيس الحريري، وليس فريق رئيس الجمهورية. ومع ذلك تبقى مسألة حقيبة العدل حساسة بالنسبة الى الرئيس عون الذي اظهر كيف انه مهتم باستخدام القضاء في معاركه من خلال سلوك القاضية غادة عون التي من اجلها عرقل التشكيلات القضائية، ثم اغرق من تردد في السلطة الثالثة في معارك بين المواقع القضائية. هناك أيضا طريقة تعامل صهر رئيس الجمهورية في مسألة التشكيل، على رغم إعلانه رسميا عدم الرغبة في المشاركة. لكن الجميع يعرف ان غرفة العمليات في القصر الجمهوري يديرها جبران باسيل، وبالتالي فطلباته غير المباشرة حاضرة في كل ملاحظة يبديها عون، او في كل مطلب يقدمه لميقاتي. اضف الى ذلك ان ميقاتي مضطر الى ان يقنع “حزب الله” بان يعدل في تمثيله الوزاري، وان يكتفي بالحد الأدنى غير المباشر، لا بل ان يتنازل عن مطالبه الحكومية هذه المرة كي لا توسم الحكومة بحكومة “حزب الله” من الدول العربية الوازنة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية.

امام ميقاتي امتحان صعب، والمهمة ليست سهلة، وان يكن مستفيدا من حال التعب الداخلي من معركة التشكيل السابقة، ومن رغبة الفرنسيين ومعهم المصريون في تشكيل حكومة كيفما اتفق الامر. والاهم ان ميقاتي الذي خاض في الأعوام الاربعة الماضية معارك سياسية ضد ميشال عون والحاشية تحت عنوان المحافظة على صلاحيات رئاسة مجلس الوزراء، ومصالح الطائفة السنية السياسية في التركيبة، لا يمكنه اليوم ان يقدم تنازلات جوهرية لعون. وجُلّ ما يملك من هوامش، هو ان يقدم تنازلات في الشكل لا في المضمون. هنا دور “الضمانات الخارجية” التي تحدث عنها في المقابلة الأخيرة مع “النهار” في تعبيد الطريق امامه.