واشنطن بوست: الرجل القوي ليس هو الحل

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للكاتب عز الدين فشير قال فيه، إن على تونس التعلم من جيرانها وأن الرجل القوي ليس هو الحل.

يبدو أن هذا الانقلاب الدستوري في تونس ،هو محاولة واضحة لاستبدال الديمقراطية الهشة بنظام الرجل القوي.




وقال إن الرئيس التونسي قيس سعيد قام هذا الأسبوع بعزل رئيس الوزراء وتعطيل البرلمان ونشر الجيش لمنع المشرعين من دخول بنايته. ويبدو أن هذا الانقلاب الدستوري هو محاولة واضحة لاستبدال الديمقراطية الهشة بنظام الرجل القوي.

وكان تحركه استجابة لأمنيات ملايين التونسيين الذين خاب أملهم بالديمقراطية الضعيفة والذي كشف عجزها في انتشار كوفيد-19. لكن كما كشفت حالات مصر والسعودية، فالرجل القوي قد يعطي نوعا من الاستقرار وتقدما على المدى القصير لكنه ليس الحل الأنجع لمشاكل البلد المزمنة و المتجذرة.

الطغاة العرب يحلمون بإعادة إنتاج تجربة رئيس كوريا الجنوبية بارك تشانغ، وعادة ما يبدؤون حكمهم بقصص نجاح، ولكنهم ينتهون بطريقة أو بأخرى مثل كيم إل سونغ.

ويقول الكاتب، إن الطغاة العرب يحلمون بإعادة إنتاج تجربة رئيس كوريا الجنوبية بارك تشانغ، وعادة ما يبدؤون حكمهم بقصص نجاح، ولكنهم ينتهون بطريقة أو بأخرى مثل كيم ال سونغ.
خذ مثلا تجربة عبد الفتاح السيسي الذي قام بإصلاحات اقتصادية جادة وخفض العجز بالميزانية وقطع الدعم عن المواد الأساسية وعوم الجنيه المصري وخفض التضخم مما أدى إلى نمو بنسبة 5%، كما وسع الإنشاءات في البنية التحتية وأعلن عن مشاريع ضخمة بما في ذلك بناء عاصمة إدارية جديدة. وفي فترة قريبة قام برقمنة ومركزة البيانات الحكومية وإصلاح النظام المصرفي. وهناك إصلاحات جارية في النظام التعليمي والصحي والرفاه الاجتماعي والنظام القضائي. وبعبارات السيسي فهو يقوم ببناء “دولة جديدة .. جمهورية ثانية”.

ولكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ليس أقل طموحا، فرؤية 2030 تحاول إبعاد الاقتصاد السعودي عن النفط وتحويل البلد لمركز تجاري وتكنولوجي. وغير وجه المدن السعودية ورفع الحظر عن قيادة المرأة للسيارات وقضى على سلطة الشرطة الدينية وجلب الإنتاج الفني للبلد. ومن الحماقة تجاهل هذه الإصلاحات واعتبارها غير مهمة. لكن من الحماقة أيضا النظر إليها كلبنات في بناء الدولة الحديثة، فهي ليست كذلك ولعدد من الأسباب.

أولا، فالعنف المرتبط بهذه الإصلاحات ضغط على المجتمعين السعودي والمصري لمستويات خطيرة. فالعنف لم يمارس على مئات المحتجين أو النقاد الذين ذبحوا أو أجبروا على الرحيل إلى المنفى، بل وأصاب ملايين الفقراء من الطبقة المتوسطة الذين تدهورت أوضاعهم المعيشية، بل وعلى كل السكان الذين عرضوا لنظام قمعي يذكر بعالم أورويل من الإرهاب والرهاب. وحتى لو افترضنا أن هذا العنف هو ثمن ضروري للتقدم التاريخي، إلا أن الشك يظل قائما في قدرة مجتمع تم تحويله إلى قطيع أو رعاع غاضبين وأن يصبح مجتمع تجار ناجحين ومواطنين مسؤولين.
أما الأمر الثاني، فهو يتعلق بالحكام الديكتاتوريين الذين ينتجون رأسمالية المحسوبية وليس السوق الحر القادر على النمو المستمر. ونجح كل من الديكتاتور الكوريي والتشيلي في بناء اقتصاد قوي لأنهما تحالفا مع قوى السوق، وبالمقابل سحق الديكتاتوريون العرب كل رأس مال مستقل. ووضع السيسي الجيش في مركز إدارة الاقتصاد، أما محمد بن سلمان فقد سجن رجال الأعمال والتجار. وكلاهما يتصرف وكأنه مدير تنفيذي لبلده، ولهذا السبب لم يكن القطاع المصري الخاص قادرا على توفير رد للإصلاحات الاقتصادية الشاملة. ففي أي وقت ينفذ فيه رأس المال أو تتغير نزوات الحكام ينهار النمو والاستثمار. ورغم أن ثروة السعودية كبيرة وأضخم من مصر التي تواجه أزمة دين إلا أن المبدأ واحد.

أما الأمر الثالث، فهو أن الديكتاتوريين يعتمدون على نظام الرعاية والخوف للسيطرة على مؤسسات الدولة. وفي هذا النظام يتم تفضيل الولاء على الكفاءة والأداء والطاعة على التفكير النقدي. كما أنه يجرد المؤسسات من استقلاليتها ويحولها لأداة طيعة في يد الحكام. ولا يمكن للطغاة العرب تحويل مؤسسات الدولة إلى بيروقراطيات وطنية مستقلة، لأنها تهدد سلطتهم.

والنتيجة هي استمرار ضعف المؤسسات وعندما ينهار الديكتاتور تفقد مؤسسات الدولة توازنها وتتبع الحاكم الجديد.

يتحول الطغاة في المنطقة إلى عملية تدمير الذات ويخوضون مغامرة وراء مغامرة، ويذهبون بعيدا نظرا لعدم وجود السلطات التي تضبط تصرفاتهم.

أما الأمر الرابع فيتعلق بعدم قدرة الحاكم الديكتاتور على التشارك بالسلطة بشكل يضعف قاعدته الشعبية وتشدد المعارضة. وهو ما يؤدي لتبذير مصادر كبيرة ضد الأعداء وتحويل النزاعات إلى لعبة محصلتها صفر، وهو ما يدفع الحكام لتشديد قبضتهم على مؤسسات الدولة. وعندما تخف قبضة الحاكم ينتهي الأمر لنزاع مهلك وليس مشاركة في السلطة.

وأخيرا يتحول الطغاة في المنطقة إلى عملية تدمير الذات ويخوضون مغامرة وراء مغامرة، ويذهبون بعيدا نظرا لعدم وجود السلطات التي تضبط تصرفاتهم.
وفي النهاية يظل سعيد، استاذ الجامعة السابق أضعف من ديكتاتوري القاهرة والرياض، نظرا لعدم وجود مؤسسات تدعمه. ولو استطاع الحصول على دعم من قوات الأمن ومن الخارج فيمكنه تخفيف الأزمة التي تمر فيها تونس، ويمكن أن يؤجج غضب الشباب من خلال خطابه المعادي لإسرائيل. وغير ذلك فليست لديه القدرة لحل مشاكل البلد العميقة، بما في ذلك غياب قوى السوق والمؤسسات العقلانية المستقلة والتفكير التجاري والإبداعي والنظام السياسي الشامل. وهي مشاكل تجعل الدول العربية هشة ومستبدة، ويفاقمها حتى من يدعي الاستنارة.