في مواجهة الانقلاب – غسان العياش – النهار

قبل صدور البيان الأخير لرؤساء الحكومة السابقين، وفي أعقاب اعتذار الرئيس سعد الحريري عن عدم تشكيل الحكومة، كان الوضع السياسي و#الدستوري في البلاد مثيراً للقلق.

قلّة قليلة من المعلّقين لمّحت إلى الأبعاد البعيدة لهذا الحدث وإلى معانيه ومفاعيله، ليس على الدستور فحسب بل على المعادلات #الطائفية الحسّاسة في السلطة. إن تمكّن رئيس الجمهورية، بتصلّبه وعناده، من “تطفيش” رئيس الحكومة المكلّف ومنعه من إنجاز مهمّته يعني انقلاباً على قاعدة دستورية أساسية من قواعد اتّفاق الطائف.




بل هو ربّما انقلاب على أهمّ التغييرات التي أدخلها اتّفاق الطائف على نظامنا الدستوري، حيث رفعت يد رئيس الجمهورية بصورة مطلقة عن التأثير في اختيار رئيس الحكومة الذي بات يسمّى نتيجة الاستشارات النيابية الملزمة. فإذا كان رئيس الجمهورية يقبل، موقتاً، على مضض، اختيار الأكثرية النيابية للرئيس المكلف ثم يأخذ وقته في رفض التشكيلات الحكومية التي يقدّمها الأخير الواحدة بعد الأخرى فسيجد الرئيس المكلف نفسه أمام الجدار المسدود ويعتذر. إذا كان ذلك ممكناً فأي أهمّية لاختيار رئيس الحكومة في الاستشارات الملزمة؟ ألا يعني ذلك أن رئاسة الجمهورية أصبح لها من جديد اليد العليا في اختيار رئيس الحكومة كما كان الأمر قبل الطائف؟

المقصود ببيان رؤساء الحكومة الذي صدر الأحد الماضي من بيت الوسط، أن الاشتباك لم ينته باعتذار سعد الحريري، وبالتالي فإن الفريق الذي يمثله الرؤساء لا يعترف بالانقلاب على الدستور ولا بالنتائج الموقّتة التي أفضى إليها الاعتذار. وهو يعيد التمسّك بالثوابت المتمثّلة بوثيقة الوفاق الوطني والدستور “بعيدا عن البدع والانتهاكات”، وكذلك بالنظام الديموقراطي البرلماني وبسلطة الدولة على كل مساحة البلاد. يعيد البيان التركيز على احترام الدستور، بمفهوم اتفاق الطائف، كما يكرّر أركان الفريق نفسه في مختلف المناسبات. وقد عبّر الرئيس فؤاد السنيورة عن التمسّك بدستور الطائف بعد زيارته للرئيس نبيه برّي في مطلع العام الحالي اذ شدّد على “اهمية العودة لاحترام الدستور، الدستور هو الذي يحمي اللبنانيين وهو الذي يحمي تضامنهم وعيشهم المشترك، وهو الذي يحدد العهد الوطني فيما بين اللبنانيين”.

صحيح أن اتّفاق الطائف ليس كاملاً ونصوصه لا تضمن بناء ديموقراطية نموذجية في لبنان، لكن الحفاظ عليه واحترام مضامينه المباشرة وغير المباشرة يحافظ على الاستقرار الذي حل محلّ لغة المدافع بعد خمسة عشرة سنة من القتال. وكل محاولة لتغيير النصوص أو الأعراف التي أوجدها الطائف دون توافق وطني عام هو نوع من الانتحار الوطني الجماعي.

بالمقابل، لا يجوز التعامل مع دستور الطائف على أنه نصّ بدون نواقص، وخاتمة المطاف في تطوّر لبنان السياسي والديمقراطي. فالطائف، الواجب الاحترام، يحتاج إلى استكمال نواقصه، وكذلك إلى تصحيح الثغرات الجسيمة في طرق تطبيقه.

أشار بيان رؤساء الحكومة السابقين، على سبيل المثال، إلى ضرورة التطبيق العملي للمادة 95 من الدستور بكل مندرجاتها منوّها بقواعد الجدارة والكفاءة والاستحقاق، إضافة إلى ضرورة المحاسبة والمساءلة لكل من يتولّى مسؤولية عامّة. وكان الأفضل استتباع ذلك بنوع من النقد للطريقة الكارثية في تطبيق هذا المبدأ.

فقد كرّست المادّة 95الجديدة التمثيل الطائفي في وظائف الفئة الأولى. وجرى تطبيق هذا النصّ في ظلّ نظام الطائف ليس بتقسيم الوظائف بين الطوائف فقط، بل بين قادة الطوائف بحيث بات كبار الموظفين في الإدارة والقضاء والأسلاك الأمنية تابعين لقادة طوائفهم، يرفعون إليهم التقارير ويتلقون منهم التعليمات، مما قضى على مفهوم الدولة في لبنان وأعاد البلاد عشرات السنين إلى الوراء.

أليس بالإمكان الجمع بين حفظ حقوق الوظائف في المناصب العليا وبين اختيار الأشخاص بواسطة الدولة على أساس الكفاءة والجدارة؟