الغارديان: تونس تعاني من ثورة مضادة وعودة الرجل القوي لن تحل مشاكلها

تحت عنوان “رأي الغارديان في انقلاب تونس: الربيع الذي أضحى شتاء” قالت الصحيفة في افتتاحيتها إن الحكومة القمعية الديكتاتورية التي انهارت في 2011 سقطت لأنها لم تعد قادرة على توفير مطالب الشعب، فلماذا ستؤدي عودتها لحل أي شيء؟

وقالت إن تونس كانت أول دولة عربية في 2011 تتخلص من ديكتاتورها، والديمقراطية الحقيقية التي نجت واستمرت. لكن الأحداث في العاصمة التونسية تشير إلى أن البلاد تمر بمرحلة ثورة مضادة. ففي يوم الأحد، أعلن الرئيس قيس سعيد عن عزل رئيس الوزراء وحل الحكومة وتجميد البرلمان وتجريد نوابه من الحصانة، في تحذير لمعارضيه السياسيين.




ولم تكن تلك القرارات نذر خير، فقد داهمت قوات الأمن مكتب قناة تلفزيونية، في وقت خرج فيه المحتجون إلى الشارع احتجاجا على قرار الرئيس أو تأييدا له. فدفء الربيع العربي تحول بالتأكيد إلى شتاء قارص. ووصفت المعارضة التي تقودها حركة النهضة بشكل رئيسي، وهي أكبر حزب لديه مقاعد في البرلمان تحركات سعيد بأنها “انقلاب”. ومن الصعب الاختلاف مع هذا الوصف، لكن الكثيرين في تونس إما يهزون أكتافهم غير مبالين، أو ينجذبون للديماغوجيين والمتشددين الدينيين، أو الذي يمدحون الديكتاتورية السابقة في البلد. والسبب وراء انجذاب قطاعات شعبية لأفكار محبطة أو غير ليبرالية، هو أن الحرية والديمقراطية في تونس لم تقدم لهم الازدهار الاقتصادي ولا الاستقرار السياسي. وبدلا من ذلك استمر الفساد والتضخم والبطالة.

وقام التونسيون خلال السنوات الماضية بالخروج إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم، وأحيانا بالعنف. وكشف وباء فيروس كورونا عن العجز الوظيفي في الدولة التونسية. وفي دراسة أجراها المعهد الوطني للإحصاءات، وجدت أن ثلث سكان تونس كانوا يخشون من نفاد الطعام لديهم في العام الماضي. لكن الحكومة، حسب وثيقة مسربة، كانت مستعدة على ما يبدو لرفع الدعم عن المواد الأساسية في مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي لتأمين قرض بـ4 مليارات دولار، وهو رابع قرض في 10 أعوام، وزاد من غضب السكان على طريقة معالجة الحكومة للوباء مستوى الدين الوطني، فقد أصبحت مدفوعات القروض ستة أضعاف ميزانية الصحة الوطنية.

وتعلق الصحيفة أنه من السهل فهم الجدال الذي يقول إن المؤسسات الديمقراطية في البلاد لم تقدم للسكان ما يريدون من خدمات واحتياجات، لكن في المقابل، فإن الجدال حول الرجل القوي غير مناسب، لأن الأنظمة الرئاسية للحكام الأقوياء انهارت قبل عقد من الزمان بعدما فشلت في توفير ما تريده شعوبها. واستمرت الديكتاتورية من خلال القمع. وما تحتاجه تونس اليوم، هو تبني قادتها السياسيين نهجا واقعيا حول المسار الواجب اتخاذه. فالعودة للاستبداد لن تضمن استقرار النظام.

وتحدى الرئيس الدستور، وعلّق عمل البرلمان، وعدم قدرته على التعاون مع رئيس الوزراء الذي اختاره، تعني عدم صلاحيته للسياسة الصعبة. ومديحه للديكتاتورية العسكرية المصرية لا يعطي الكثير من الثقة.

وتقول الصحيفة إن الديمقراطية التونسية كانت انتصار الإجماع السياسي، لكن حكومات التحالف عنت وضع قرارات على الرف خوفا من هز الائتلاف. وهو ما قاد بعد 2019 تحديدا إلى زيادة الدعم للأحزاب الجديدة والمتطرفة، في وقت لم تتم معالجة المطالب بتحسين ظروف الحياة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ومن خلال تقارب النواب المنتخبين مع بعضهم البعض، فقد شجعوا على عدم الاستقرار السياسي الذي حاولوا تجنبه. لكن البلاد لا يعدمها الساسة الماكرون، فقد أنقذ راشد الغنوشي، زعيم النهضة التحول الديمقراطي الأول من الانهيار في 2013. وهناك أزمة في تونس، ولن يتم نزع فتيلها إلا من خلال فهم حالة الطوارئ ومعالجة أسبابها، وليس عبر التأكيد على الخطاب المعادي للديمقراطية الذي عفا عليه الزمن.