لبنان ثالث أكثر الدول تلقياً للمساعدات الإنسانية في العالم بعد سوريا واليمن!

احتل لبنان المرتبة الثالثة عالميا من ناحية تلقي التمويل والمساعدات الإنسانية الدولية، بعد سوريا واليمن، بحسب تقرير صادر عن “مرصد الأزمة” التابع للجامعة الأميركية في بيروت، الذي أشار إلى توجه دولي لتصويب معظم المساعدات باتجاه البرامج الإنسانية.

وبحسب التقرير المبني على بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فقد حصل لبنان خلال العام الماضي على 1.6 مليار دولار مُنِحَ جُلُّها عبر الهيئات الإنسانية والمنظمات غير الحكومية، هذا المبلغ شكل ارتفاعًا ملحوظًا عن المساعدات الممنوحة للبنان خلال عام 2019، بمقدار نصف مليار دولار، إذ حصل لبنان حينها على 1,1 مليار دولار.




وينال لبنان 5.8 في المئة من مجموع التمويل الإنساني في العالم، بعد سوريا (9.6 في المئة) واليمن (8,1 في المئة)، إلَّا أنَّه يحتل المرتبة الأولى عالميًّا من حيث حصة الفرد المستهدف من التمويل الإنساني، بحسب تقرير مرصد الأزمة، الذي احتسب الفئات المستهدفة من الفقراء اللبنانيين (1 مليون) واللاجئين السوريين (1 مليون) والفلسطينيين (270 ألفًا)، وتُقدَّر هذه الحصة بنحو 700 دولار للفرد سنويًّا.

وتركزت التقديمات على ثلاث جهات دولية مانحة قدمت نحو 76.5 في المئة، بحسب المرصد، وهي الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية وألمانيا. وقد وُجِّهت أكثرية المساعدات إلى برنامج الاستجابة لأزمة اللجوء السوري في لبنان، يليها خطة الاستجابة لأزمة كورونا والمساعدة الطارئة التي جرى تقديمها إثر تفجير مرفأ بيروت.

وحصلت ثلاث منظمات دولية على 66 في المئة من التمويل الإنساني، وهي برنامج الغذاء العالمي (29.8 في المئة)، مفوضية اللاجئين (25.2 في المئة) ومنظمة اليونيسف (10.9 في المئة). ولم يحصَر التمويل بقطاعات معينة، حيث حصل كلٌّ من قطاعات الصحة على 102 مليون دولار، والأمن الغذائي 76 مليون دولار، والتعليم 37 مليون دولار. وتُنفَّذ هذه البرامج بواسطة منظمات دولية ومؤسسات غير حكومية بالتعاون مع الادارات الرسمية في قطاعات محددة كالصحة والتعليم بالإضافة الى الهيئات المحلية في بعض الأحيان، وفقاً للتقرير.

15 عاماً من الفرص الضائعة

ويقول المشرف على المرصد، أستاذ السياسات والتخطيط في الجامعة الأميركية في بيروت، ناصر ياسين، إن “الهدف من هذا التقرير أبعد من استعراض الأرقام والنتائج التقنية الواردة فيه، إذ يساهم أيضا في الإضاءة على المكان الذي وصل إليه لبنان في عقد ونصف من الزمن كنتيجة لتفويته فرص الإصلاح التي كانت متاحة دائما أمامه، حيث بات يعيش حالة طوارئ إنسانية في مختلف القطاعات مؤخراً، لاسيما بعد انفجار المرفأ وانهيار الليرة وقدرتها الشرائية”.

البرامج الرئيسية الممولة

ويرى التقرير أن الواقع الحالي للبنان ناجم بمعظمه عن الأزمات المتشابكة الناتجة بدورها عن تأزُّم سياسي مزمن، تستعصي معه الحلول ويُحترَف فيه تضييع الفرص، فتغيب الجديَّة الحكومية في إدارة الأزمة وتتسارع انهيارات القطاعات الحيوية وتفكُّك المؤسسات، وقد استمرَّ استعصاء الحلول والإصلاحات خلال العقدين الأخيرين، ولاسيَّما منذ عام 2007، حين التزمت الحكومة اللبنانية تحقيق سلسلة من الإصلاحات في برنامج عمل مؤتمر “باريس 3″، و لم تنفِّذ الحكومات المتعاقبة أغلبه، ولم يبصر النور منه إلَّا القليل، بالأخص ما كان يتعلق بحوكمة القطاع العام، وتعيين هيئة ناظمة للمناقصات العامة، وإصلاح قطاع الطاقة وخصخصة كهرباء لبنان، إضافة إلى زيادة التنافسية، وخلق استراتيجية حماية اجتماعية شاملة مع إصلاح نظم التقاعد.

وبسبب عدم استغلال الحكومات اللبنانية لتلك الفرص الضائعة منذ أكثر من 14 عاماً، وفقاً لـ”مرصد الأزمة”، إضافة إلى غياب الرؤيا وتفكُّك المؤسسات، وكذلك أزمة اللجوء السوري، يتحوَّل المانحون إلى حصر المساعدات المقدَّمة إلى لبنان بالمنظمات الدولية والهيئات غير الحكومية ضمن أطر المساعدات الإنسانية.

ويرى ياسين في حديثه مع موقع “الحرة” أنه “لو طبقت إصلاحات ‘باريس 3’ منذ عام 2007 كنا اليوم بمسار مختلف كلياً، مسار تنموي وإعادة تعافي الاقتصاد بأطر سليمة، ولكن بدلا من ذلك استمرت الأوضاع بالتردي منذ ذلك الحين، وازدادت مع الصدمات العربية، عام 2011، لاسيما الأزمة السورية التي زادت من عدد سكان لبنان بشكل كبير ومفاجئ ما فاقم الحاجات الإنسانية في البلاد، إلى أن وصل الأمر ليصبح البلد بأكمله في حالة طوارئ يحتاج معونة إنسانية فيما أكثر من نصف السكان يحتاجون معونة دائمة، وكل ذلك في عقد ونصف من الزمن”.

المصارف لا توفر حتى المساعدات

ويتوقع التقرير أن يزداد التمويل الإنساني للبنان في الأعوام المقبلة على ضوء انهيار قطاعات أساسية كالصحة والتعليم والخدمات المهمة كالمياه، ونتيجة الضعف المتزايد في الإدارات الرسمية ما يمنعها من القيام بأدوارها. وعليه يقدم عدداً من الخطوات التقنية التي يستوجب القيام بها من أجل الاستفادة الأمثل من المساعدات في ظل انسداد الأفق السياسي في البلاد وفشل المسار الإصلاحي منذ أكثر من 20 سنة.

وعلى رأس لائحة التوصيات يطلب “مرصد الأزمة” الإلغاء الفوري لما أسماه “هرطقة الدولار الإنساني” التي أطلقها مصرف لبنان وبعض المصارف الخاصة، بحيث تحتسب هذه المؤسسات سعر دولار المساعدات بحسب “منصة صيرفة”، ممَّا يعني “أنَّ جزءًا يسيرًا من المعونة المقدمة يبقى دون وجهِ حقٍّ في النظام المصرفي -بشقِّيه الرسمي والتجاري- بما يحرم مستحقِّي المساعدات من الحصول عليها”.

وهنا يلفت ياسين، إلى أنه، وبالرغم من بلوغ حصة الفرد السنوية 700 دولار وهو رقم كبير نسبياً لمساعدات إنسانية، فإن “ربع أو ثلث هذا المبلغ تقتطعه المصارف التي تسلم المستفيدين من المساعدات بالليرة اللبنانية وليس بالدولار وعلى سعر صرف أقل بكثير من السعر المتداول في السوق السوداء، حيث كان يسلم بداية بسعر 6500 ليرة لبنانية ليرتفع إلى 12 ألف ليرة، حسب سعر منصة مصرف لبنان، في حين أن سعر الدولار تخطى عتبة ال٢٠ ألف ليرة في السوق السوداء”.

هذا الاقتطاع يتم “على الرأس” بحسب ياسين، و”بطريقة غير منطقية، حيث لا يمكن الاقتطاع من مساعدات إنسانية، وهو جزء رئيسي من ارتفاع حصة الفرد من المساعدات في لبنان، بالإضافة إلى غلاء المعيشة الكبير في لبنان نسبة لغيره من الدول المستفيدة من المساعدات”.

الشفافية المطلقة أهم الشروط

ليس هذا وحسب، فبحسب ياسين، فإن “ارتفاع حصة الفرد ناتج أيضاً عن ارتفاع تكاليف الخدمات وتفاوتها بحسب القطاعات، خصوصاً التعليم والصحة الأكثر تكلفة، إضافة إلى الخدمة الإدارية المرتفعة التكلفة في لبنان، لاسيما مع أسلوب التلزيمات الذي تصل المساعدات من خلاله، وبدلا من أن تكون من الجهة المانحة إلى المستفيدين بشكل مباشر، تمر اليوم بمستويين أو 3 مستويات إضافية بين جمعيات دولية تحصل على التمويل وتقدم المنح لجمعيات محلية تعمل على برامج ذات صلة، وبدورها تلزم جهات محلية الإجراءات التنفيذية”.

تطور التمويل الإنساني

وعليه، يشير المرصد في توصياته إلى أهمية تعزيز الطابع المحلي للمساعدات الإنسانية انسجامًا مع مقررات القمة العالمية للعمل الإنساني في إسطنبول لعام 2016، عبر “جعل لا يقل عن 25 في المئة من التمويل الإنساني للمنظمات والهيئات اللبنانية العاملة وطنيًا أو محليا مع توسعة مروحة المشاركة ليشمل التمويل الجمعيات القاعدية والعاملة في نطاق محلي كالبلدات وإحياء المدن”.

ويختم التقرير مشددا على أهمية اتِّباع الشفافية المطلقة في عملية صرف الأموال واختيار المستفيدين، وكذلك تعزيز الكفاءة في التنفيذ ووضع أطر لتقييم أثر المعونة الإنسانية.