كيف ساهمت الشعارات الوطنية في تغطية فشل المنظومة؟ – مصطفى علوش – الجمهورية

«ليس المهم الوصول إلى أجوبة حاسمة ونهائية على الأسئلة، لكن الأهم هو إدخال الأسئلة المناسبة في دائرة الاستفهام الدائم وفي مجال إعادة التفكير في ما هو بديهي، فالبديهي هو قناع الجوهر في الأشياء» (مارتن هيدغر في كتاب «الكينونة والزمان»)

ما هو بديهي مثلاً تعبير «الفوضى المنظّمة» ونسبته إلى الوزيرة كوندوليسا رايس، من دون البحث عن المفهوم السياسي وأصل هذا التعبير. أصل الكلام هو «التدمير الخلّاق» الذي ظهر في بحث جوزف شومبيتر، في كتابه الذي يعد من أهم كتب القرن العشرين بعنوان «الرأسمالية والاشتراكية والديموقراطية». يصف شومبيتر التدمير الخلّاق أنه الطفرة الصناعية التي تُحدث ثورة مستمرة في الهيكل الاقتصادي من الداخل، وتستمر في تدمير النظام القديم وإنشاء بنية اقتصادية جديدة في الوقت نفسه. تفترض نظرية التدمير الخلاق أنه وجب تدمير الإجراءات والافتراضات الطويلة الأمد، لإفساح المجال لاستغلال الطاقات والموارد من أجل الابتكار. هذا الأمر افترضه شومبيتر في المسائل الاقتصادية، ولو استندنا إلى النظرية الماركسية للعالم، فإنّ حركة التاريخ والمجتمع مرتبطة في شكل كامل بالاقتصاد. ما يعني أن نظرية التدمير الخلّاق يمكن أن تصح أيضا في عالم السياسة والاجتماع. جوهر الأمر هو أنّ المنظومة التي تفشل في تحقيق المرجو منها، ولم تتمكن التعديلات أو الإصلاحات من تحسين طبيعة إنتاجها، يجب تدميرها لإفساح المجال أمام منظومة أخرى فاعلة.




هنا، وليس دفاعاً عن رايس، لكنّ تعبير الفوضى الخلّاقة لم يذكر على لسانها ولا مرة واحدة، على الأقل في العلن، على رغم تأكيد بعضنا نظرية المؤامرة التي نسبت لها عندما اعتبرت أنّ ما يحدث في الشرق الأوسط (سنة 2006) يوحي بأن شرقاً أوسط جديداً سينتج عما نراه اليوم (يومها ومن ضمنها حرب تموز). ومع أن نظرية الفوضى الخلّاقة ليست جديدة على المعجم السياسي الاستخباراتي، لكن تعبير التدمير الخلّاق اختلط على كثيرين من القراء وأصبح نفسه نظرية مؤامرة، بدل كونه نظرية اقتصادية – اجتماعية، خصوصاً عند من يظن أنه عالِم بشؤون السياسة والمؤامرات، وهم كثر في بلادنا، أو كل الشعب اللبناني!

المهم هو أنّ بعض المنظومات الفاشلة تبقى الأمور فيها معطّلة لكونها بديهية، أي أنها لم تدخل في دائرة الاستفهام عندما يصيبها العطل، يوم تفشل في القيام بما هو مطلوب منها. هنا يلجأ البعض إلى علاجات ترقيعية، لا تدخل في صلب الأمور وجوهرها، وتحصر العلاج في كبش محرقة ما، بحسب فكرة «رينيه جيرار» في كتاب «العنف والمقدس»، وذلك لتفادي تدمير المنظومة الاجتماعية القائمة. يعني يتم التضحية بكبش محرقة ما، لكن المنظومة الأساس تبقى خارج المساءلة لكونها بديهية ولا تحتاج إلى المساءلة. وهكذا تستمر الأزمات في التوالد بعد كل حفلة تضحية، لمجرد أنّ المنظومة التي تعطّلت بفعل عامل التجربة والوقت والركاكة البنيوية، بقيت قائمة من دون أن يتجرأ أحد على طرح الثقة بها، وفي معظم الأحيان خوفاً من المجهول في حال تم تدمير المنظومة القائمة على أساس المثل الشائع «النحس المعروف أحسن من السعد المجهول».

ما لي أنا، من جديد، في طرح كل تلك المقدمات التي تنفّر القراء النادرين لما أكتبه، وهم في أيامنا كالعملة الصعبة، لكنني أترك عادة العنان للقلم ليكتب على مزاجه ويوصل ما يختزنه وجداني من «عواصف في الذاكرة»، وهو عنوان الكتاب الذي لم أجرؤ على نشره حتى الآن. القضية المطروحة هي أننا ما زلنا أسرى الشعارات التي نسميها وطنية، وهي بديهية، ومنها مثلاً كون «لبنان بلدا تعدديا حيث تصان الحرية»، كما أنه «بلد ديموقراطي فيه مساواة بين المواطنين».

هي شعارات بديهية الطابع ولا تحتاج إلى مساءلة، ولكنها تخفي العفن الجوهري الذي ضرب البنية الركيكة في التركيبة «الوطنية». فالتعددية تعني الحرية، والحرية تعني الفرد وليس المجموعات، فالفرد الحر هو ما يؤسس للمجتمع الحر الخلّاق والمبدع. نحن دائماً، وعن حق، نتغنى بإبداع أفرادنا بمجرد خروجهم من البديهي الوطني، بكوننا خير الناس وأفطنهم، لأنّ أسوأ الناس انتاجاً هو من يظن أنه أفضل الناس ولا يحتاج الى شيء يحسنه، وهذا ما نعيشه يومياً. أما مَن يستنقذ نفسه من القوقعة الوطنية، فيهاجر ويشعر بالمساواة أو الدونية تجاه الآخرين، سيحاول التمايز من خلال الجهد والإنتاج، وقد ينجح أو لا ينجح، لكن الأهم فهو الانفتاح للاحتمالات في الحيّز الذي سقط الفرد به، ويخرج من قوقعة البديهي في أن اللبناني «حربوق».

لكن، بالعودة إلى التعددية، فقد تمّت ترجمتها وطنياً بأنها حرية الجماعة الطائفية في خياراتها، يعني اعتبار أننا شعوب طائفية تعددية مرغمة على العيش معاً في بقعة ضيّقة من الأرض، أُسقطنا فيها، عن غير إرادة، مع مرارة العيش مع الآخر وتقبّله على مضض. وهذا بالفعل ما سمعته من أصدقاء طيبين، عملوا على إقرار قانون انتخاب الفصل العنصري الطائفي المعمول به حالياً، وهو القانون المستند إلى فلسفة أساسها قول زياد الرحباني في مسرحية «فيلم أميركي طويل» انّ جميع المسلمين إسمهم «محمود» وإن ظهروا بثياب «طوني»! وبالتوازي، فجميع المسيحيين جزء من المؤامرة الصليبية على المسلمين! والجميع يظن، وأحياناً عن حق، أنّ الآخر يخفي الخنجر وراء ظهره الى ان تأتي الساعة. للأسف، فإن الوقائع التاريخانية، وهنا ما أقصده غير التاريخ الموثق، بل هو ما اختزَنَته الذاكرة من وقائع وأساطير وروايات الحاجة ام أحمد أو أم أنطون… تؤكد للفرد وللمجتمع صحة هذا الاحتمال.

التعددية ذاتها هي التي سَوّغت لهيمنة قادة القبائل الطائفية على حرية الفرد في القبيلة، وجعلت منه متراساً للفساد المحمي طائفياً، والسلاح المحمي طائفياً، والتهريب والمخدرات وتبييض الأموال واستباحة المال العام والكهرباء والطرق والمشاريع… ماذا أقول؟ فالكلام يطول ولا ينتهي. لكن الأخطر هو تسويغ العمالة للصديق والشقيق، وأحياناً للعدو، تحت بديهية التعددية في الخيارات!

التعددية تلك ضربت أيضاً احتمال تحول لبنان بلدا ديموقراطيا يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات؟ يا سلام! فمن يوم المؤامرة الوطنية التي ندعوها «الشراكة الوطنية»، تم تصنيف المواطنين فئات لا مساواة بينها، لا في الحقوق، ولا في الواجبات، وتم إهمال شريحة واسعة من دون أدنى الحقوق. وعلى رغم أنّ هذه المنظومة ولّدت المآسي المتكررة على شاكلة الحروب والتفجيرات والاغتيالات والانهيارات، بقينا أسرى البديهي في أن المنظومة القائمة قابلة للإصلاح! وأن المناصفة هي الدواء الشافي، وأن استرداد الحقوق من الحاجة أم محمود، أو سرقتها من الجدة أم أنطون، هو السبيل للمحافظة على «النسيج الوطني الفريد» الذي جعل من قداسة البابا يسمّيه «وطن الرسالة». بصراحة، لنخرج من القوقعة وننظر إلى حالنا اليوم وأمس وغداً، فما هي الرسالة التي نحملها أو نحافظ عليها، ونحن محطّ سخرية أو شفقة أو شماتة؟

قد تكون لحظة انفجار المرفأ ما يوعّي الوجدان إلى أن المنظومة غير قابلة للإصلاح، لكننا تمكنّا بصلف من تحويل حتى تلك اللحظة الوجدانية عاشوراء طائفية، كذلك حصل مع اغتيال رفيق الحريري ومع حرب تموز وغزوة السابع من أيار ومع تفجيري السلام والتقوى… من هنا، لا يكفي أن نرفع شعار «كلن يعني كلن» وإن كان على حق، لأن المسؤولية تدعو أن نعترف أنّ المنظومة فاشلة، ولا يمكن إنقاذها، ولا يمكنها إنقاذنا، وعلينا بناء البديل الذي لا يشبه البديهي.