لهذه الأسباب سرّع المجتمع الدولي التكليف… والسؤال هل يحصل التأليف؟

… وانتهى مشوار ال#تكليف وبدأت حرب التأليف على جبهات ومحاور عدة، وسط سؤال: هل سيمارس الراعي الدولي الذي اختار الرئيس #نجيب ميقاتي لتشكيل الحكومة العتيدة بسرعة قياسية من دون تأجيل أو مقاطعة للاستشارات النيابية، وفي ظل تراجع البعض عن مواقفه الحادة، الضغوط على خط التأليف؟ أم “ستعود حليمة إلى عادتها القديمة”؟ ذلك ما ستتضح معالمه خلال الأيام القليلة المقبلة، إذ ثمة معلومات يؤكدها مرجع سياسي مفادها أنّ الفرنسيين مستمرون في اندفاعهم من التكليف إلى التأليف، ولن يسمحوا بأي عرقلة، في حين كان اللافت على هامش قراءة المواقف المقتضبة بعد نهار الاستشارات الطويل أنّ نواب “كتلة المستقبل” وعلى لسان المتحدث باسم الكتلة النائب سمير الجسر، قالوا “أعان الله البلد والرئيس ميقاتي”، ما يحمل الكثير من الدلالات لجهة تيقّنهم أنّ حليفهم المنضوي في نادي رؤساء الحكومات قد يواجه المتاعب ذاتها التي عانى منها الرئيس سعد الحريري، ولكن استطراداً فإنّ تقاطع أجواء إقليمية – دولية ينبئ بأنّ الأمور في هذه المرحلة مغايرة للسابق لجملة اعتبارات داخلية وخارجية.

في السياق، تقول مصادر سياسية لـ “النهار” إنّه على صعيد الأجواء الداخلية، فإنّ المرجعيات السياسية والحزبية كافة تتهيّب ما يحصل في البلد من انهيارات مخيفة، ولم يعد في مقدورها أن تدافع عن نفسها أمام غضب الناس، حتى من بيئتها الحاضنة ومحازبيها ومناصريها وجمهورها الذي يلفظها على مدار الساعة، وخوفاً من الآتي الأعظم وانهيار المنظومة تزامناً مع الانحدار الاقتصادي، بدأت هذه المرجعيات تفتّش عن مخارج، بغض النظر عن ماهية الحلول ومن يكون الرئيس المكلف، وعلى هذه الخلفية جرى إمرار اسم الرئيس ميقاتي بسلاسة من دون إشكالات سياسية أو حصول غضب في الشارع كما كان متوقّعاً، لأنّ الناس بدورها باتت تقبل بـأي شيء نظراً إلى عدم قدرتها على تحمّل أي أعباء إضافية بعدما بلغت حالها ما ليس في مقدور أي مواطن تحمّله حتى من الدول المارقة إلى جمهوريات الموز. أما على الصعيد الخارجي، فإنّ أحد السفراء السابقين في عاصمة كبرى يعتقد أنّ المجتمع الدولي يستعجل بدوره استنباط الحل في لبنان، لأنّ ثمة تحولات ومتغيرات وأحداثاً متوقّع حصولها في أكثر من دولة في المنطقة، لا سيما أنّ مفاوضات فيينا بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول الملف النووي لم تسجّل أي خرق، وبالتالي ستحتاج هذه المفاوضات إلى مسار طويل من الجلسات والتجاذبات، وعندما تُفرمَل أية محطة فإنّ الإيرانيين يدفعون حلفاءهم في لبنان إلى التصعيد السياسي وعرقلة التأليف، وكذلك إعطاء التوجيهات للحشد الشعبي في العراق لقصف القواعد الأميركية، وصولاً إلى إرسال المسيّرات إلى منشآت حيوية ومدنية في المملكة العربية السعودية، ناهيك بتعثُّر المفاوضات حول المسألة الفلسطينية أو ما كان يسمى “حل الدولتين”.




من هنا، وفي حال بقيت الأوضاع في لبنان على ما هي من نزف اقتصادي ومعيشي، وصولاً إلى تنامي الخلافات السياسية وعودة الخطاب الطائفي والمذهبي واستعادة الكثير من محطات الثمانينات والتسعينات بمختلف أشكالها وظروفها، فإنّ تشكيل حكومة أياً يكن رئيسها ووزراؤها، يبقى أفضل بكثير من الاستمرار في الحالة الراهنة، تلافياً لأي انفجار كبير مرشح حصوله في أي توقيت، في ظل الانكشاف الأمني والسياسي والاقتصادي. وعلى هذه الخلفية استدركت الدول المعنية بالشأن اللبناني ولا سيما باريس التي تبقى لها خصوصية وعلاقات وروابط مع لبنان أكثر من سواها، لممارسة الضغوط على المعنيين بالملف اللبناني، وهذا ما حصل من خلال التكليف وقد ينسحب ذلك لاحقاً عبر تشكيل حكومة تترافق مع مؤتمر دعم لبنان في الرابع من آب المقبل، ولما لذلك من دلالة في هذا التوقيت حيث الزلزال الذي أصاب لبنان من خلال انفجار المرفأ وكعربون وفاء للشهداء والجرحى والمنكوبين، ما يعني أنّ مسار التسوية انطلق ولكن بخطى تدريجية، إلى أن تأتي اللحظة الإقليمية والدولية المؤاتية، وعندئذٍ قد يصار إلى مؤتمر دولي لإنقاذ لبنان ودعمه بعد محطات أكثر من ضرورية ومطلوبة من المجتمع الدولي، ألا وهي إجراء الانتخابات النيابية في موعدها المحدد وانتخاب رئيس جديد للجمهورية، وعلى هذا الأساس يتم التعاطي الفرنسي – الأميركي مع الوضع الداخلي.

وحيال هذه الأجواء التي يمكن وضعها في خانة “الميني إيجابية” خلافاً لما كانت عليه في الأيام القليلة الماضية من تدهور مريع للعملة الوطنية وتراشق سياسي وصعوبة اختيار شخصية للتكليف، فإنّ المخاوف تبقى قائمة من أي عرقلة قد تحصل بإيحاءات إقليمية وعبر اللاعبين المحليين، لأنّ التجارب السابقة لم تكن مشجّعة، كيف لا وقد أتى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى لبنان مرتين من دون تسجيل أي خرق، والأمر عينه لأكثر من موفد دولي وعربي. وبالتالي إنّ الصورة قد تتبلور في وقت قريب بين تفاؤل حذر وتشاؤم ما زال يطغى على الواقع اللبناني المأزوم.

النهار