سركيس نعوم - النهار

لن يتوقّف العدّ في لبنان رغم صدق الحريري الأب! – سركيس نعوم – النهار

#المسيحيّون كالعادة ليسوا واحداً في لبنان، وإذا كان ذلك مقبولاً لأنّ التنوُّع هو إحدى سِمات الديموقراطيّة، فإنّه لن يكون مقبولاً في وقت يحتاجون فيه ليس إلى وحدة موقف نظراً إلى استحالتها، بل إلى تنسيق يأخذ في الاعتبار مصالحهم وطموحاتهم المُتناقضة ومصلحتهم الاستراتيجيّة في بلاد مُنقسمة طائفيّاً ومذهبيّاً ومرتبطٌ كلٌّ من شعوبها بجهة إقليميّة لها طموحاتها الكبيرة. وقد ظهر ذلك جليّاً منذ تكليف الرئيس سعد الحريري تأليف حكومة جديدة قبل نحو تسعة أشهر. وهو يظهر الآن جليّاً مرّة أخرى قبل #الاستشارات النيابيّة المُلزمة التي أجراها رئيس الجمهوريّة أمس لاختيار رئيس مُكلّف #تأليف الحكومة الجديدة بعد اعتذار الحريري عن ذلك. فـ”التيّار الوطني الحر” الذي يترأّسه النائب جبران باسيل يبدو مُعترضاً على تكليف الرئيس نجيب ميقاتي هذه المُهمّة رغم المعلومات المتوافرة لديه عن أنّه ضمن تأييد جهات سياسيّة وازنة مثل “تيّار المستقبل” السُنّي و”حركة أمل” الشيعيّة، والحزب التقدمي الاشتراكي، وعدم اعتراض “حزب الله” على ذلك رغم الامتناع عن التسمية في الاستشارات، وتأييد “تيّار المردة” الزغرتاوي والحزب السوري القومي الاجتماعي و”اللقاء التشاوري” وعدد من النوّاب المُنفردين أي غير المُنتمين إلى كتل نيابيّة سياسيّة أو حزبيّة أو طائفيّة أو مذهبيّة. يبدو أيضاً أنّه يعتبر الاستشارات لعبة يتسلّى فيها أو مسرحيّة يحاول أن يتميَّز بموقفه فيها عن مواقف سائر الممثّلين. فهو و”تيّاره” كان ضدّ تكليف القاضي والسفير والدكتور نوّاف سلام تأليف الحكومة قبل تسعة أشهر يوم طرحته جهات سياسيّة عدّة وكذلك قبل تأليف حكومة الدكتور حسّان دياب المُستقيلة. مُبرِّر الرفض كان أنّه أميركي السياسة والهوى وأيضاً سعوديّ وحريريّ أو بالأحرى “سَنيوري” الهوى.

لكنّه يبدو اليوم ميّالاً إلى طرح اسمه لأسباب لا تزال غير واضحة قد يكون أحدها حرصه على استمالة السُنّة باختياره رئيس حكومة منهم له احترامه الواسع سُنيّاً ومسيحيّاً وحتّى شيعيّاً بل وطنيّاً، كما له احترامه في محافل دوليّة وعربيّة عدّة. والسؤال الذي يُطرح هنا هو هل يذهب باسيل إلى هذا الحدّ في مناكفة حليفه الذي له عليه وعلى عمّه الكثير منذ تفاهم مار مخايل عام 2006 إلى حدّ معارضة تكليف ميقاتي تأليف الحكومة بعد حصوله على مباركة الحريري وبرّي وبعد حصول الأخيرين على موافقة “حزب الله” وإن لم تترجم تسمية نوّابه له في الاستشارات.




وحزب “القوات اللبنانية” قرّر ألّا يُسمّي أحداً في الاستشارات. وما يهمّ رئيسه في هذه المرحلة هو الاستعداد للانتخابات النيابيّة التي يُفضِّلها مُبكرة اقتناعاً منه بأنّه وإن في ظلّ قانون الانتخاب الحالي يستطيع أن يزيد عدد نوّابه وكلّهم مسيحيّون بعد الضعف وربّما التشرذم الذي أصاب غريمه “التيّار الوطني الحر” في الشارع المسيحي. هذا التشابه بين موقفَيْ التنظيمين المسيحيّين الأكبر لا يعكس توافقاً وتنسيقاً وتفاهماً بقدر ما يعكس اضطرارهما إلى الالتقاء صدفة وعرضاً حول موقف واحدٍ أحياناً حرصاً من كلٍّ منهما على تعزيز وضعه المسيحي. طبعاً قد يُفاجئ ميقاتي وحتّى المُطّلعين على تحرّكه في السنوات الأخيرة امتناع “القوّات” عن تسمية أحدٍ في الاستشارات النيابيّة المُلزمة رغم علاقته الجيّدة التي كانت له مع ميقاتي وربّما لا تزال. لكنّه يستطيع تجاوز ذلك بوسائل عدَّة صار سياسيّو لبنان بارعين فيها. أمّا موقف رئيس حزب الكتائب الشيخ سامي الجميّل فهو استمراره في معارضة مُنافسيه المسيحيّين كلِّهم على تنوِّعهم واختلافهم وفي الوقت نفسه في عدم الانخراط في اللعبة السياسيّة الداخليّة علماً أنّ حجم تأثيره فيها محدود. ومواقف الأحزاب والقيادات المسيحيّة هذه تُقلق جمهورها.

إذ يرى تململ حليفها السُنّي منها بعدما كانا معاً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وخروج سوريا من لبنان، وتململها منه أيضاً. ويرى توافق هذا الحليف مع الركن الشيعي المُهمّ نبيه برّي وتسوية ربط النزاع الذي أقامه مع “حزب الله”. ويرى “الخربطات” في العلاقة بين “الحزب” و”التيّار الوطني الحر”. ويستخلص من ذلك أمرين الأوّل ضعف الثقة السُنيّة والشيعيّة بالمسيحيّين حلفاء كانوا أو أخصاماً أو أعداء. والثاني بداية تكوُّن قرار سُنّي – شيعي بتلافي أيّ اصطدام أو حرب بينهما تُفيد الآخرين وتؤذيهما معاً، وخصوصاً بعدما بدت واضحة رغبة المسيحيّين في العودة إلى ما اتّهموا به من اسئثار في السلطة بين 1943 و1975.

طبعاً ليس الهدف من كلّ هذا الكلام التحريض وزرع الشكوك بين اللبنانيّين حلفاء وأخصاماً ومُنافسين وأعداءً. بل هو دعوة المسيحيّين إلى الانتباه جيّداً إلى وضعهم الديموغرافي المتدهور، وإلى العمل للحؤول دون أن يؤثّر ذلك سلباً في دورهم الوطني مع شركائهم المسلمين سُنّة وشيعة ودروزاً. ودعوتهم أيضاً إلى إجراء إحصاء دقيقٍ لعددهم بالوسائل المُتاحة لمعرفته رغم أنّ أحد رُعاة “اتفاق الطائف” الشهيد رفيق الحريري قال: “لقد أوقفنا العد”. ورغم صدقه في ذلك فإنّ أحداً لا يمكنه وقف العد. إذ أنّ العدد يفرض نفسه ولا سيّما في تركيبة طائفيّة ومذهبيّة وغير وطنيّة لدولة لبنان. والمعلومات المتوافرة على هذا الصعيد عند جهات جديّة عدّة في الداخل والخارج تُفيد أنّ في لبنان الصغير أيّ “المتصرفيّة” كان عدد الموارنة المسيحيّين الأكبر إذ بلغ حوالي 400 ألف فرعاهم الفرنسيّون وحاوروهم وأقاموا نظام “المتصرفيّة”. وفي عام 1932 أظهر #الإحصاء اليتيم الذي أجراه الانتداب الفرنسي على لبنان أنّ المسيحيّين لا زالوا أكثريّة وإن بنسبة ضئيلة جدّاً. فأقدموا أيّ الفرنسيّين على تسليمهم دولة لبنان الكبير. لكنّ إحصاءات المرحلة الراهنة القريبة كثيراً من الدقّة تُشير إلى أنّ نسبة المسيحيّين في لبنان اليوم تراوح بين 23 و24 في المئة، وأنّ نسبة السُنّة 31 في المئة ونسبة الشيعة 31 في المئة ونسبة الدروز 7 في المئة. لكنّها تُشير أيضاً إلى توقُّع أن تُصبح هذه النسب بعد سنوات من الآن على الشكل الآتي: 14 في المئة مسيحيّون، 37 في المئة سُنّة، و47 في المئة شيعة، و3 أو 4 في المئة دروز. وهذه أرقام تعرفها الدول الكبرى ويعرفها الكرسي الرسولي في الفاتيكان، وتعرفها دول المنطقة العربيّة وغير العربيّة. والأخيرة تبني سياساتها في لبنان انطلاقاً منها. فهل يتدارك المسيحيّون هذا الأمر على صعوبة ذلك؟