ما الذي سيميز ميقاتي عن الحريري ليكُلًّف ويؤلِّف؟

سابين عويس – النهار

اذا سار كل شيء على ما يرام، تنطلق في قصر بعبدا اليوم الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية سنية تأليف حكومة جديدة بعد مسار طويل ومؤلم خاضته البلاد على مدى تسعة اشهر عجز فيها الرئيس سعد #الحريري المكلف بأصوات 65 نائباً عن تأليف حكومته.




كل تسميات الكتل النيابية اجمعت على الرئيس الأسبق للحكومة نجيب #ميقاتي ليتولى مهمة “انتحارية”، كما يصفها القريبون منه، ليس بسبب حال الانهيار والتحلل الذي بلغته البلاد فحسب، وانما ايضاً بسبب الألغام والأفخاخ المزروعة في طريقه، وهي الطريق عينها التي حاول الحريري عبورها واخفق. ما يضع ميقاتي عملياً على المسار نفسه ما لم يكن ثمة معطيات جديدة تجعل المستحيل امام الحريري ممكناً امام ميقاتي، علماً ان الاخير كان حدد سقفاً موازياً لسقف الحريري، ولن يكون في وارد التراجع عنه، كما كان التفاهم بينه وبين نادي الرؤساء السابقين الذي ينتمي اليه وكان اول من رشحه امس لتكر بعدها سبحة مواقف الكتل الاخرى واهمها الكتلتين الشيعيتين التي كان اعلن الرئيس بري باسمهما انه سيتم تبني وترشيح الاسم الذي يسميه الحريري.

من هذا المنطلق يصبح السؤال عما سيميز ميقاتي عن الحريري مشروعاً، وصولاً الى السؤال ما اذا كان التكليف سيخلص الى تأليف او اعتذار؟

لا شك ان خريطة تسمية الكتل لميقاتي لن تختلف عن تلك التي سمت الحريري، باستثناء “حزب الله” الذي يتخذ موقفاً مبدئياً بعدم اشهار تسميته للحريري تحديداً حتى لو كان داعماً له. اما في حالة ميقاتي فالتسمية تصبح ممكنة علناً.

وباستثناء نواب الكتائب والمستقلين الذين استقالوا من المجلس النيابي، فإن حزب “القوات اللبنانية” مستمر في التزامه عدم التسمية، في حين ان الحزب التقدمي الاشتراكي الذي سمى في الاستشارات الماضية السفير السابق نواف سلام، سيسمي ميقاتي انسجاماً مع الكتل الاخرى، والتزاماً بضرورة الوصول الى تسوية تتيح انتاج حكومة والخروج من التعطيل.

لكن المفاجأة ستكون لدى “التيار الوطني”، علماً ان سيره بعكس التيار ليس غريباً او مفاجئاً، وانما ترشيحه وتسويقه لسلام، سيما وان هذا التيار لا ينطلق في هكذا تسمية من اقتناع او التزام بما يمثله سلام، بل لاعتبارات خاصة بزعيمه، وتتصل بعملية اعادة تموضعه كسباً لودٍ دولي، ورفضاً لميقاتي في ما لو سار الاخير على طريق سلفه في معايير التأليف.

قبل ان يصدر اي كلام علني عن ميقاتي حيال مسألتي التكليف والتأليف، اظهر رئيس الجمهورية ميشال عون حياله مرونة لم يظهرها للحريري. فميٓز بينهما عندما اعلن قبل ايام عن استعداده للتعاون معه وانه “يجيد تدوير الزوايا، وهو من النوع المتعاون الذي يأخذ ويعطي”.

لم يحظ الحريري بهذا التمايز بل على العكس، استبق عون الاستشارات الماضية لتكليف الحريري بدعوة غريبة للنواب لكي يحكموا ضميرهم ويحسنوا الاختيار.
هكذا تمايز يدل على اكثر من معطى يجب اخذه في الاعتبار. اولها ان رئيس الجمهورية بلغ مرحلة سيئة جداً في الربع الاخير من ولايته، وبات في حاجة ملحة لإنقاذ ما يمكن انقاذه بسلطة تنفيذية، بعدما بات جلياً ان التعويل على تعويم حكومة حسان دياب وعلى ترؤس المجلس الأعلى للدفاع لا يمكن ان يحلا محل السلطة التنفيذية، وانه مهما حاول ممارسة صلاحيات ليست في الواقع من صلب صلاحياته لن ينجح في تحقيق اي خطوة لا تتسم بمخالفة واضحة للدستور. والدليل ان اي قرار او اجراء اتخذ منذ استقالة حكومة دياب لم ينجح في لجم الانهيار خطوة واحدة بل زاده عمقاً وانزلاقات نحو المحظور.

ويُفهم من كلام عون انه يتلمس إمكانية تفاوض مع ميقاتي لم تكن متوافرة مع الحريري، ما يشي بأن ميزة الاول بتدوير الزوايا ممكن ان تتيح إنضاج طبخة حكومية ترضي بعبدا ولا تضطره الى كسر كلمته، خصوصاً بعدما اعتذر الحريري.

واذا صح كلام عون، ولم يستجد عليه اي تأثير باسيلي، انطلاقاً من حسابات الاخير الانتخابية والرئاسية، وتم تذليل العقبات من امام حكومة ميقاتي، فأعطى الرئيس وصهره الرجل ما حجباه عن الحريري، فهذا سيكون دليلاً قاطعاً ان الشروط الحكومية للعهد لم تهدف الى تحصين الحقوق المسيحية، وانما لكسر الحريري وإسقاط الحريرية السياسية والاقتصادية، مستفيداً من استياء سعودي تِرجم رفضاً للحريري تقاطع مع عدم رغبة “حزب الله” بتشكيل حكومة. والتمايز الميقاتي الداخلي عن الحريري ينسحب ايضاً على المواقف الخارجية، حيث لا فيتو سعودي عليه، او غربي او أميركي.

يدرك ميقاتي تفاصيل اللعبة كاملة، وهو الذي واكب الحريري عن كثب ومن خلال نادي رؤساء الحكومة في كل خطوة ومطب وتعطيل تعرض لها خلال الأشهر التسعة الماضية. سيستفيد ميقاتي من توافر الشروط التي طالب بها قبل قبوله بالمهمة الانتحارية، وفي مقدمها ان يتظلل تكليفه بعباءة طائفته وقياداتها السياسية والروحية، كما بعباءة المجتمعين العربي والدولي ليحسن موقعه التفاوضي. اما المعارضة المسيحية للكتلتين الأكبر فلن تفقدها ميثاقية التمثيل، طالما كان هناك سابقتان احداهما مع حكومة حسان دياب الذي غابت عنه ميثاقية طائفته، والأخرى مع الحريري الذي قاطعته الكتلتان عينهما.

المعارضة المسيحية لا تشكل عقبة امام ميقاتي، ولكنها حتماً ستجعل التسوية الحكومية تسير وهي خارجها. ولعل هذا ما يدفع زعيم التيار الوطني الحر على الدفع من اجل فرض شروطه على اي تشكيلة حكومية مرتقبة، ادراكاً منه ان بقاءه خارج السلطة سيزيد من ضعفه وسيعيق قدرته على التحضير للانتخابات النيابية. ولذلك سيبذل أقصى الجهود من اجل تحسين وضعه داخل الحكومة، حتى لو اضطر الى ممارسة التعطيل، على غرار ما حصل مع الحريري.

فارق بسيط لا يحسب له باسيل حساباً وهو ان ميقاتي لن يكون حريري ٢. ولن ينتظر اشهراً ليؤلف. ولعلها هذه آخر نقطة سيتمايز بها ميقاتي عن الحريري، بحيث سيعطي نفسه أسبوعاً فإما يؤلف او يعتذر.

وعند هذا الحد، وعشية الاستشارات وقبل الحديث عن التفاهمات على ميقاتي، ثمة سؤالان يحتاجان الى اجابة واضحة:

هل اصبح رئيس الجمهورية جاهزا لالتزام الدستور كما هو وليس كما يراه او يقرأه ويفسره؟

وهل اصبح الحزب مستعداً للقبول بتشكيل حكومة، او سيبقى وراء تعجيز بعبدا؟