عقل العويط - النهار

فارس ساسين – عقل العويط – النهار

(إلى روح المثقّف الكبير الصديق #فارس ساسين)

أمِن حاجةٍ إلى مثقّفٍ في هذه الأزمنة، وها هنا في لبنان؟




… والمثقّف (النظيف) ليس لديه سوى أفكاره يؤثّث بها خواءَ العالم، يُعلي بآرائه سقفَ السماء الواطئة لئلّا تُطبِق على الهواء، ولئلّا أيضًا تُطبِق على أرضِ هذه الحياة؛ فاتحًا بذلك أمام الملأ منطقَ الأنسنة والإنسانويّة humanisme، ومُليّنًا عبورَ النسمة العقليّة (الشعريّة – الفلسفيّة الأرسطيّة السقراطيّة الديكارتيّة الهيغليّة النيتشويّة الهايدغريّة السارتريّة…)، وموسِّعًا رحابةَ العقل والسؤال والنقاش، ومستدعيًا الأملَ كي يجد مرتعًا ومأوى، فارشًا له الدار، والمائدة، جاعلًا المكانَ، النوافذَ، خرومَها، شقوقَها، أحلامَها، وتخييلاتِها الافتراضيّة، مشرّعةً على الحكمة، على الحنكة، على بريق الأفق والاحتمال.
أُرمِّمُ حطامَ لبنان ونفسي بحصانة هذه الصورة عن المثقّف، برحابة عقله، بإنائه الوسيع، بمضاء وعيه، بحدّة بصيرته، بصرامة نقده، بجموح سخريته، وبمنعة روحه.

حصنٌ منيعٌ كمثل هذا الحصن الحصيف، كيف لا يُبنى ويُحمى ويُصان، ليُهرَع إليه في أوقات الشدّة اللبنانيّة؟ كيف؟!

… والمثقّف مثقّفٌ (يكون) في كلّ شيء: في الحرّيّة والكرامة والأنفة والأدب والشعر والرواية والصحافة والنشر والفنّ والموسيقى والسينما والمسرح والرقص والتأمّل والفكر والفلسفة والتاريخ – وأيضًا – في السياسة. المثقّفُ شرطُهُ أنْ يكون هذا المثقّفَ لا أقلّ.

ألا يليق بلبنان أنْ يرمّم حطام ذاته، واجدًا (إنْ لم يكن بالفعل فبالقوّة الفلسفيّة) السندَ عبرَ صورة المثقّف هذه. لا الهرب، لا الخنوع، لا قيلولة الدماغ، لا الرغيف، لا الدواء، ولا حقنة (حفنة) المورفين المُغَفِّلة والمُنَسِّية واللاهية والمُلهِية عن اللبّ، عن الجوهر. فليتعزَّ لبنان كلُّهُ بالمثقّف، لكونه شاهدًا، عاقلًا، وازنًا، مؤرّخًا، ورائيًا.

ألم يكن الحبرُ الفلسفيّ خلاصًا (على الدوام)، زورقَ خلاص، في الصحراء، وهنا، وعلى مقربة، وأيضًا على مبعدة؟!

الخرابُ العقليّ يُفسِد الملح. انصرافُ المعايير (الأخلاق) إلى استطابة الإقامة (كالصراصير، كالبشر – الصراصير، كأولي الأمر) في مجاري المياه الآسنة، في المراحيض، وإلى استملاح العفن والنتانة، يسهّلان استتبابَ الحلكة السياسيّة، وعملَ الجلّاد.

هنا سلّمُ القيم يتدحرج من أعلى إلى أسفل سافلين.

مريعٌ مشهد لبنان مطأطِئًا أمام هذا الوسخ.

المثقّف يُرجِّح، لأنّه راجحٌ وميزان. ولأنّه قاسٍ (بعدلٍ لا يترجرج ولا يمالئ ولا يبالي). وهو يحكم بمشورة العقل (إذ هو فلسفةٌ وشعر)، لأنّه يحلم ويعقل.

أيّ بلاءٍ يوازي بلاءَ لبنان في أزمنة الجحافل هذه، في أزمنة “المغول الجدد” الذين يُخمِدون رئاسةَ المثقّف، ترئيسَه، نباهتَه، وتنبيهَه، ويشلّون يده – البوصلة، المُحذِّرة من المغبّة، المُنذِرة بسوء المآل، والمُرشِدة إلى الطريق؟!

… والمثقّف يصدق، لا يكذب، لا يرتشي، لا يتزلّم، لا يكون جاريًا (مذكّر جارية) عند حاكم، ولا بوقًا له، ولا يشتهي سلطةً، ولا منصبًا، ولا يطلب استحسانًا.
وإذا برقتْ لحظةٌ تاريخيّةٌ في الشأن العامّ، في السياسة (كلحظات البرق في الشعر)، فلا مانع من أنْ يكون المثقّف ملهمًا لأهل الشأن العامّ والسياسة (إذا كانوا يستحقّون الاحترام، وعلى سويّة جماعة العقل والرشد والحكمة والفلاسفة ورجال التاريخ ليس أقلّ، ليس أقلّ) الذين تكبر بهم الرئاسات والمناصب، ولا يكبرون بها. وهؤلاء لم يبقَ منهم بين صنّاع السياسة في العالم إلّا الذكريات، ولم يبقَ منهم (وخصوصًا هنا، خصوصًا ها هنا، وعلى مقربة) إلّا المسوخ، بل مسوخ المسوخ.

وإذا لم يجد المثقّف أذنًا عقليّةً صاغية، فليأوِ إلى كتبه، وليسهر وحيدًا في رأسه، في عقله، على شفا حبر الفلسفة. ولـ”يتلأمنْ”. وليسخر.

ليس ثمّة قصاصٌ ينزل بحاكمٍ، بجائرٍ، بسلطانٍ أحمق، كالسخرية اللئيمة العارفة (السوداء)، كالازدراء، وكالاحتقار.

يُحكى عن لزوم المحاكمة وإنزال (عقوبة) الإعدام في أحوالٍ متردّيةٍ كهذه. أليس احتقارُ المثقّف للمتسلّط (أسمى) درجات المحاكمة والإعدام، وأشدّها مراسًا؟!
أنا أحتقركَ، أيّها الحاكم، يقول المثقّف للمسؤول، مُطلِقًا في وجهه، في عينيه، ضحكتَه اللئيمةَ المريرةَ، ناظرًا إليه من طرفِ عينه نظرةَ احتقار. نظرةَ احتقارٍ ليس إلّا.

في حالٍ كهذه، إذا حَكَمَ حاكمٌ (وإنْ تَأَبَّدَ حكمُهُ وجاع شعبُهُ)، أيّ انتصارٍ ينتصره، أمام كِبَرِ مثقّفٍ، أمام حرّيّةِ هذا المثقّف، أمام كرامتِهِ الأبيّة، وأمام استعلائِهِ (الفلسفيّ والأخلاقيّ) عليه؟!