ميقاتي بين معضلتَي التكليف والتأليف… مصيره وحكومته رهن توقيع عون وباسيل!

ابراهيم حيدر – النهار

لن تختلف كثيراً صورة نجيب #ميقاتي في حال أعطت الكتل النيابية في الاستشارات الملزمة أكثرية حاسمة للتكليف، عن سعد #الحريري الذي سمّي قبل 9 أشهر من دون الكتلتين المسيحيتين الأكبر اي “التيار الوطني الحر” و”القوات اللبنانية” وامتناع “#حزب الله” عن التسمية، اي أن ميقاتي سيكون مدعوماً من تيار المردة والحزب السوري القومي الاجتماعي، وحركة أمل، والتقدمي الاشتراكي، وتيار المستقبل، من دون ممانعة “حزب الله”، وهذا يعني أن القوى السياسية والطائفية التي سمت الحريري هي نفسها التي ستسمي ميقاتي الذي قد يواجه المصير نفسه إذا لم يتم التفاهم على صيغة للخروج من الأزمة وحل مأزق التشكيل والشروط التي يضعها رئيس الجمهورية ميشال #عون وتياره.




المشكلة لا تزال قائمة وفق مصدر سياسي مطلع، ولا مؤشرات تدل على أن عون قد يقدم تنازلات تتجاوز ما يسمى بالثلث المعطل وتسمية الوزراء المسيحيين، باستثناء تسريبات تشير إلى أنه منفتح على الحوار والتفاهم مع ميقاتي، وهو أمر لم يكن متاحاً مع الحريري، إذ أن رئيس الجمهورية كان يرفضه من الأساس اي قبل تكليفه حين دعا النواب قبل تسعة اشهر إلى تحمل مسؤولية تسمية الحريري، وهو ما أثبتته التطورات حين امتنع “الرئيس القوي” عن الموافقة على كل التشكيلات الوزارية التي قُدمت واسقط المبادرات المحلية والخارجية ولم يقبل التوقيع على مرسوم تشكيل #الحكومة.

#الاستشارات النيابية الجديدة للتكليف هي الثالثة بعد استقالة حكومة حسان دياب، حيث كُلف أولا مصطفى أديب بدفع من المبادرة الفرنسية ثم الرئيس سعد الحريري الذي استمر تسعة اشهر ولم يتمكن من التأليف، فإذا سمي ميقاتي يكون الثالث الذي سيتولى المهمة في ظروف انزلق فيها البلد إلى مزيد من الإنهيار والافلاس، وقد تكون وفق سياسي متابع الفرصة الأخيرة لتأليف حكومة في ما تبقى من عهد ميشال عون، وبعدها سندخل في حالة فراغ وانقسام سياسي وطائفي حاد واصطفافات شبيهة بما حدث قبل 2005 انما بظروف مختلفة وأوضاع أكثر خطورة.

عملية التكليف إذا تمت وفق ما تشير إليه أجواء التفاهمات الحالية، ستفتح على معركة التأليف المعقدة، وسيحاول رئيس الجمهورية وتياره انتزاع ما لم يكن ممكناً مع الحريري، انطلاقاً من المعارضة التي يبديها جبران #باسيل واشتراطاته السياسية للتمثيل، فيما يتولى ميشال عون إدارة التفاوض لتثبيت الشروط المتشددة ذاتها، وهو يستند إلى فرضية أن نجيب ميقاتي ليس الشخصية الأقوى في طائفته، ويمكن وضعه أمام واقع أنه ليس مقبولاً من مكونات طائفية واسعة وكذلك من فئات مدنية، لاستدراجه لتقديم تنازلات لمصلحة التيار العوني، وبالتالي إيصاله إلى المحرقة إذا رفض أو امتنع على طريقة الحريري.

لكن الأزمة هي أيضاً عند ميقاتي نفسه، وفق توصيف السياسي المتابع، فهو أوحى لمقربين منه وكذلك لقوى سياسية تدعمه أنه قادر على التاليف وتجاوز المعضلات والعوائق والعقبات القائمة، بما في ذلك التشدد العوني، وأنه يجب المضي نحو التأليف لعدم ترك البلاد تتآكل وتنهار، وأن في إمكانه نيل دعم دولي وعربي طالما أن الحكومة حاجة لتجاوز الأزمة ووقف الانهيار ولو بحده الادنى، وهذا الأمر قد يضع ميقاتي في قلب العاصفة، إذ أن الطريق للتشكيل ليست سالكة في ظل الانقسام الراهن إلا عبر الرضوخ لشروط لا يمكن السير بها وقد يكون الامر مستحيلاً ما لم ينطلق من واقع أن هناك أفخاخاً ومعضلات ليس تفكيكها سهلاً.

يختلف ميقاتي اليوم عن مرحلة 2011، حين تولى رئاسة حكومة على أنقاض حكومة الحريري التي أسقطها الثنائي الشيعي أنذاك خصوصاً “حزب الله”، فهو اليوم في نادي رؤساء الحكومة السابقين وعلاقته بالرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل جيدة، لكن لديه اعتبارات وطموحات لا تقف عند الانتقال من الزعامة الطرابلسية الى السنية العامة فحسب، إنما تثبيت أنه يحظى بدعم دولي وعربي للإنقاذ. وقد يكون هدفه الرئيسي في المرحلة الراهنة حسم ورقة التكليف وترك أمور التأليف إلى وقتها، علماً أن التكليف والتشكيل مسالتين مرتبطتين ورهانه قد يكون له آثار سلبية وتبعات خطيرة، خصوصاً وأنه لم يتبق على انتهاء ولاية الرئيس عون أكثر من سنة، فيما الانهيار يأخذ البلد الى الكارثة.

في كل الحالات لن يستطيع نجيب ميقاتي تحقيق الكثير حتى لو تمكن من تشكيل حكومة. وقبل ذلك يجب أن يتخطى عقدة الشروط العونية والتشدد الذي لم ينزل قيد أنملة عن السقوف التي وضعها ميشال عون وجبران باسيل، وعليه أن يواجه تحدي ما يريده “حزب الله” في سياسته الداخلية والإقليمية وعلاقته بالتيار الوطني الحر. لذلك يمكن أن يتوه في دوامة التكليف كما حدث مع الحريري. أما إذا تشكلت حكومة بالطريقة التي يريدها عون ويعتبرها ميقاتي انجازاً بتدوير الزوايا، فإنها لن تتمكن من خوض غمار الاصلاح ولا تحديد سياسة خارجية واضحة وشفافة ولا وضع برنامج اقتصادي يستجيب لشروط المساعدات، فيضيع عندئذ التأليف بين المحاصصات والانقسامات ومراكز القوى والهيمنة والصراع على القرار وكذلك في مواجهة استحقاق الرئاسة والانتخابات النيابية.

لا يمتلك ميقاتي عناصر القوة التي تمكنه من احداث توازن سياسي في القرار، ووفق السياسي المتابع، هو يختلف عن الحريري في هذه النقطة بالذات، حتى لو تمكن من نيل تغطية شاملة من مرجعية البيئة السنية في البلد، فطموحه هو تشكيل حكومة وإن كانت غير مكتملة المواصفات. والوجهة التي يمكن أن يسير بها ميقاتي في مقابل ما سيواجهه من تشدد عوني يرفع لواء استعادة حقوق المسيحيين، هي لإعادة انتاج حكومة من الطبقة السياسية الحاكمة، وهي وجهة لا تمانعها فرنسا وفق المصدر السياسي، لكن هكذا حكومة لن تكون قادرة على إخراج لبنان من أزمته. لذا سنعود الى استحضار شعارات قديمة جديدة في الصراع القائم بين المحاور السياسية والطائفية التي ترهن البلد للخارج إلى حين انتهاء عهد عون وإجراء الانتخابات النيابية، ويُستحضر فيها الخلاف على اتفاق الطائف والصلاحيات، وإن كانت مفاوضات التأليف قد تختلف عن السابق بعد تكليف ميقاتي، لانتاج صيغة هي في حد ذاتها قنبلة موقوتة لتفجير البلد.