فارس خشان - الحرة

انفجار مرفأ بيروت: الحقيقة التي يُسرّبها “الهوس” بالحصانات والحمايات – فارس خشّان – الحرة

ثمّة حقيقة ثقيلة لا تتحملها غالبية الطبقة السياسية في لبنان، تقف وراء انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس الماضي.

وهذه الحقيقة التي يخشاها كبار السياسيين في لبنان، تتجلى في شواهد معبرة ومتقاطعة، يستحيل أن تكون وليدة الصدفة.




وإذا بدأنا استعراض هذه الشواهد من الآخر، يمكن استشراف الخلفية الكامنة وراءها.

في الثالث من يوليو الجاري، وفي تعليقه على طلب المحقق العدلي طارق بيطار منحه إذن ملاحقة المدير العام للأمن العام، اللواء عباس ابراهيم، قال وزير الداخلية محمّد فهمي: “بما أن طلب المحقق العدلي لملاحقة اللواء عباس ابراهيم راعى كل الأصول القانونية لا يمكنني إلّا أن أعطي إذن الملاحقة احتراماً للقانون”.

ولكن، بعد ساعات قليلة، بدأ فهمي يمحو كلماته، ليتخذ، بعد أسبوع واحد على إطلاقه، قراراً معاكساً، حجب بموجبه إذن الملاحقة.

ويشبه “لحس” فهمي لكلامه، تراجع رئيس حكومة تصريف الأعمال، حسان دياب، عن تفقد “العنبر الرقم ١٢” في مرفأ بيروت، قبل شهرين من وقوع الانفجار المأساوي.

وكان دياب، بعدما تلقى تقريراً أمنياً مرفقاً بمعلومات موثوقة المصادر، يفيد بوجود مخاطر تتهدد العاصمة من جراء وجود كمية كبيرة من مادة نيترات الأمونيوم شديدة الخطورة، قد قرر تفقد مرفأ بيروت والاطلاع على محتويات “العنبر الرقم ١٢” وإعطاء التوجيهات اللازمة لمعالجة الوضع، بصورة طارئة.

لكن “كلام الليل يمحوه النهار”، فدياب، وقبيل أن يحين الموعد، ألغى الزيارة، ونسي خطورة نيترات الأمونيوم “من أصلها” ليكرس وقته للحديث، مجدداً، عن “التركة الثقيلة للثلاثين سنة الماضية”.

وفي اليوم نفسه لتلقي دياب التقرير الأمني عن خطورة المواد المخزنة في مرفأ بيروت، كان رئيس الجمهورية، ميشال عون، صاحب التاريخ العسكري والحربي، يُلقي تقريراً مماثلاً جانباً، من دون أن يُتعب نفسه، وهو الذي يُتعب الدستور بكثرة تدخلاته في كل شاردة وواردة، ولو بإجراء اتصال واحد استيضاحي.

وما يصح على عون ودياب وفهمي يصح على غيرهم من الوزراء والقضاة والأمنيين الذين كانوا حريصين حرصاً كبيراً على إبقاء هذه المواد شديدة الخطورة في مكانها، حتى بدا أن هؤلاء لم يكونوا، في الواقع، سوى “أمناء” على أضخم عبوة ناسفة “غير نووية” عرفها العالم.

وفي المفهوم الجنائي، فإن ما يمكن أن يكون إهمالاً، إذا ارتكبه شخص واحد، يصبح “مخططاً” عندما يتبين أن مجموعة كبيرة من الأشخاص قد ارتكبته، بالتزامن.

وهذا “الإهمال الجماعي المتزامن” هو الأساس في توفير الظروف الملائمة لانفجار مرفأ بيروت.

وإذا راجعنا أقوال المسؤولين التي جرى توثيقها في مناسبات عدة مرتبطة بالحديث عن المساءلة في هذا الملف، نجد أن “حزب الله” يريد من المحقق العدلي مسألة واحدة لا غير، وهي إبلاغ اللبنانيين بكيفية حصول الانفجار، على اعتبار أن المحقق، وفق نصرالله، لا يملك أدلة على سبب آخر باستثناء الإهمال، غير آبه بأن المحترفين طالما أخفوا أفظع الجرائم، تحت أقنعة “اللا جريمة”، كالقتل على طريقة الانتحار وحوادث السير أو كنسب حريق متعمد إلى احتكاك كهربائي، وخلاف ذلك الكثير الكثير.

ولكن أطرافاً أخرى، وغالبيتها تنتمي إلى السلطة وتالياً هي في “غرفة الأسرار”، تلمح إلى ما هو أهم وأخطر، فهي تريد معرفة الجهة التي استقدمت هذه الكمية من نيترات الأمونيوم إلى لبنان ولمصلحة من، وتتطلع إلى كشف الجهة التي “سرقت” من “العنبر الرقم ١٢” أكثر من 1500 طن من مجموع 2750 طناً، ووجهة استعمالها.

وحفلت الصحافة الاستقصائية، ومنها مجموعات تقف وراء فضائح عالمية، بتقديم قرائن تربط مادة نيترات الأمونيوم التي انفجرت في الرابع من أغسطس بكل من “حزب الله” والنظام السوري.

ووفق سجلات العمليات الحربية والإرهابية، فإنه من المؤكد أن هذين الطرفين المتحالفين، يحترفان استخدام مادة نيترات الأمونيوم.

وسط هذه الصورة المعبرة، يتم فتح ملف المحاسبة على مصراعيه، في بلد يعاني من نقص هائل في الشفافية، من جهة، ومن فائض في الحمايات والحصانات، من جهة أخرى.

وفيما تحاول الإدارة السياسية حماية كبار القادة الأمنيين من الملاحقة، تنكب الأكثرية النيابية على توفير حصانة لرئيس الحكومة والوزراء السابقين المدعى عليهم والمطلوب رفع الحصانة النيابية عن النواب منهم.

ولم تستطع الأكثرية النيابية أن ترفض، هذه المرة، عبر هيئة مكتب مجلس النواب، طلب رفع الحصانة الموجّه إليها من المحقق العدلي، طارق بيطار، كما فعلت في المرة السابقة، عندما وردها الطلب من المحقق العدلي “المعزول”، فادي صوّان، لسببين، أولهما أن رد الطلب سيجعل النواب في مواجهة قاسية مع الرأي العام المستنفر، وثانيهما أن رئيس حكومة تصريف الأعمال ليس نائباً، وتالياً لا حصانة تحميه إلا إذا تم تحريك المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء المنوط أمره، ادعاء وتحقيقاً ومحاكمة، بالمجلس النيابي.

ولهذا تم اتفاق سياسي جمع “حزب الله” و”حركة أمل” و”تيار المستقبل” على تحريك “المجلس الأعلى”، بعريضة نيابية.

و”المستقبل” يرفض ملاحقة رئيس الحكومة أمام القضاء العدلي “تحصيناً لموقع الرئاسة الثالثة”، في وقت يتمتع رئيس الجمهورية بـ”حصانة شاملة”.

أما الأمين العام لـ”حزب الله”، حسن نصر الله، فكان أول من رفع الصوت ضد لائحة الادعاءات التي قدّمها المحقق بيطار، وتالياً تولى هو تغطية الهجوم على التحقيق العدلي، حماية لوزراء وقادة أمنيين “يرضى عنهم”.

وتحريك المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء لا يهدف إلى عدم السماح للمدعى عليهم بالإفلات من العقاب، بل العكس هو الصحيح، إذ إن الإجراءات والأكثريات المطلوبة والأسبقيات، تؤكد أن المطلوب هو إتاحة المجال أمام المدعى عليهم للإفلات حتى من التحقيق.

ولكن هذا لا يعني أن القضاء العدلي، في حال سُمح له بملاحقة هذه المجموعة المدعى عليها، سيكون أمام “رحلة هانئة”، إذ إن كل واحد منهم سوف يدلي باعتراضات تسمى دفوعاً شكلية، تفيد بأن لا صلاحية للقضاء العدلي بملاحقة الوزراء عن أفعال تندرج في خانة “الإخلال بموجبات الوظيفة”.

ورحلة الدفوع الشكلية رحلة طويلة تبدأ بالمحقق العدلي، وتصل إلى الهيئة العامة لمحكمة التمييز التي سبق لها أن أصدرت، في العام ٢٠٠٠، قراراً أكدت فيه أن الجرائم المنسوبة إلى الوزراء وتندرج تحت خانة “الإخلال بموجبات الوظيفة” تقع تحت الصلاحية الحصرية للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.

وهذا يعني أنه بين الانفجار الكارثي والحقيقة الناصعة هوة عميقة جداً، لا يمكن ردمها، ألّا في ذلك اليوم الذي لا يعود فيه المتورط بالجريمة هو صاحب القرار في البلاد.

وما حصل ويحصل في لبنان، على كل الصعد، وينتج المآسي التي لا تتوقف وسائل الإعلام اللبنانية والدولية عن سردها بذهول كبير، ليس، بالمحصلة، إلا نتاج استسهال ارتكاب كبريات الجرائم، طالما أن موازين القوى من جهة؛ والحصانات الطائفية والقانونية، من جهة أخرى تضمن الإفلات من المساءلة.

وثمة من يردد عن حق في لبنان، في هذه الأيام ” قلْ لي من قتل لقمان سليم أقل لك من تسبب بانفجار المرفأ”.

وملف سليم الذي جرى اغتياله في الرابع من فبراير الماضي لا يزال فارغاً ولم تتقدم التحقيقات فيه أي خطوة.

وكان سليم من أشرس معارضي “حزب الله” في لبنان، وهو تلقى، في أكثر من مناسبة، تهديدات واضحة باغتياله على اعتبار أن “حقك رصاصة”.