الحل تكرار لتجربة الياس سركيس وسليمان فرنجية؟

سركيس نعوم – النهار

بعد نحو تسعة أشهر سيجد اللبنانيون أنفسهم أمام استحقاق وطني ودستوري مهم هو الانتخابات النيابية. رغم أن المدة التي تفصلهم عنه لا تزال طويلة نسبياً فإن الحديث عنها بدأ يطغى في الصالونات السياسية وفي الاجتماعات الفئوية، كما في وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام في صورة عامة. ربما بدأ هذا الاستحقاق يصبح أكثر أهمية عند المرجعيات السياسية الدستورية، كما عند المنظومة السياسية من استحقاق مهم آخر هو تأليف حكومة تحظى برضى اللبنانيين رغم انقساماتهم المعروفة، وتعمل معهم ومع المجتمع الدولي والأشقاء العرب لوقف الإنهيار الشامل في البلاد ولوضعها من جديد على سكة العافية رغم صعوبة ذلك. وقد بدا ذلك واضحاً عند مبادرة السياسيين المعنيين الى محاولة جعل الاستحقاقين الحكوميين استحقاقاً واحداً وذلك بجعل مهمة الحكومة التي تعذّر تشكيلها خلال الأشهر التسعة الماضية إذا تشكّلت مهمتين.




الأولى معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية المتردّية بالتعاون مع المنظمات الدولية والدول الكبرى المعنية كما مع الأشقاء العرب. الثانية الإعداد للإنتخابات النيابية التي يُفترض أن تجري في شهر أيار المقبل، والتي بدأت الطبقة السياسية تعتبرها أكثر أهمية من المهمة الأولى. إذ أن المجلس النيابي المقبل ستكون إحدى أبرز مهماته انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال عون الذي ستنتهي ولايته في “التشارين” من العام المقبل. وهو أمر سيدفع حتماً الجهات السياسية كلها الى بذلك كل جهد ممكن من أجل تأمين غالبية لها في مجلس النواب المقبل كي تكون لها الكلمة الأولى والأخيرة عند اختيار الرئيس الجديد للبلاد. معروف أن غالبية مجلس النواب الحالي على “تضعضعها” في أيدي “حزب الله” بل “الثنائية الشيعية” وحلفائها مثل “التيار الوطني الحر” و”تيار المردة” والحزب السوري القومي الاجتماعي و”الحزب الارسلاني” وحزب الطاشناق و”اللقاء التشاوري” وأفراد مستقلون. ومعروف أيضاً أن أهداف الأقلية في المجلس نفسه المؤلّفة من “تيار المستقبل” رغم ربط النزاع الملتبس بين رئيسه و”حزب الله” ومن “حزب القوات اللبنانية” و”حزب الكتائب” و”الحزب التقدمي الاشتراكي” و”التنظيم الشعبي الناصري” (صيدا) والتجمعات السياسية والشخصيات في المناطق الشمالية، معروف أن أهدافها هو التحوّل غالبية في مجلس النواب الجديد قادرة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية يمثّلها بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني التي انبثقت عن “ثورة 17 تشرين 2019”.

طبعاً لا يزال كل المطروح أعلاه نظرياً، ولا يمكن اعتباره قابلاً للترجمة العملية إلا إذا نجح الأطراف كلّهم في إنهاء الأزمة الحكومية المستعصية منذ تسعة أشهر، وفي وضع البلاد على سكة البحث عن حلول للإنهيار الكبير الحاصل، كما على سكة إجراء انتخابات نيابية وأخرى رئاسية بعدها بأشهر.

هل يحصل ذلك كله؟ لا أحد يعرف. لكن يمكن الإشارة الى أن المهمة ليست سهلة. إذ أن احتمال الفشل في تأليف الحكومة لا يزال قوياً واحتمال “تعويم” الحكومة المستقيلة وإشرافها على الانتخابات النيابية أو إحجامها عن ذلك، لأن أوضاع البلاد قد لا تسمح بهذا الأمر. من شأن ذلك إما تمديد مجلس النواب لنفسه بـ”الطريقة الدستورية” نفسها التي مدّدت مجالس نيابية سابقاً لنفسها بواسطتها مرّات عدّة، وإما بقاء البلاد بلا سلطة إشتراعية. إنعكاس ذلك على استحقاق الإنتخابات الرئاسية سيكون سلبياً جداً. إذ من سينتخب رئيساً جديداً للبلاد في ظل الفراغ المشار إليه عند انتهاء ولاية الرئيس الحالي؟ وهل يعمد الأخير الى الاستعصاء في بعبدا بحجة استمرار المرفق العام؟ وألا يؤدي ذلك الى انهيار الهيكل الوطني بكل إقسامه والى تحويل الفوضى الحالية المتصاعدة حرباً أهلية؟ وهل ستبقى إسرائيل بمنأى عن هذا الوضع أي هل تمتنع عن التدخل فيه سياسياً وعسكرياً؟ كيف يمكن تلافي ذلك كلّه؟

تدعو جهات سياسية جدّية الى تذكّر ما حصل عام 1976 بعد نحو عام من نشوب “الحرب اللبنانية” التي استمرت حتى عام 1990. يومها كان الراحل سليمان فرنجية رئيساً وفريقاً في الحرب وطلب المعادون له استقالته قبل انتهاء ولايته فرفض ومعه المسيحيون خوفاً من تكريس سابقة قد تتكرّر. وبعد مباحثات كثيرة في الداخل ومع الخارج العربي والخارج الدولي تمّ الاتفاق على انتخاب رئيس جديد قبل ستة أشهر من ولاية فرنجية على أن يبقى الأخير ممارساً لمهماته الدستورية حتى آخر يوم من ولايته. بالفعل انتُخب الراحل الياس سركيس رئيساً وتعاون مع فرنجية خلال المدة الفاصلة عن تسلّمه سلطاته الدستورية من أجل الإطلاع على حال الدولة استعداداً لولايته الرئاسية. طبعاً لم يُنهي ذلك الحرب لأسباب معروفة تماماً داخلية وعربية وإسرائيلية ودولية.
لكن سمح بانتقال سلمي للسلطة ثم بانعقاد قمتين عربيتين قرّرتا إرسال قوة ردع عربية الى لبنان في بداية ولاية سركيس لوقف الحرب بالتعاون معه رئيساً جديداً. حصل انفراج جزئي سرعان ما تبخّر وحلّت مكانه العواصف. ترمي الدعوة الى تذكّر تلك المرحلة الى دعوة اللبنانيين المتقاتلين وحلفائهم الخارجيين الى انتخاب المجلس النيابي الحالي وقبل انتهاء ولايته رئيساً للجمهورية قبل الموعد الرسمي لذلك لا يتسلّم سلطاته الدستورية إلا بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون. بذلك يضمن اللبنانيون ان فراغاً رئاسياً لن يحصل، وأن فراغاً نيابياً لن يحصل أيضاً جرّاء حصول الانتخابات النيابية في موعدها، وأن الانتقال السلس للسلطة ربما يفتح الباب أمام تعاون جدّي داخلي ومع الخارجيْن الإقليمي والدولي لترتيب أوضاع لبنان، إذا كانت محاولات ترتيب أوضاع المنطقة مستمرة وببعض نجاح.
هل يفكّر أحد في هذا الحل – التسوية؟ الجهات السياسية الجدية نفسها ترجّح استناداً الى معلومات تمتلكها أن يكون البعض في الكرسي الرسولي (الفاتيكان) يفكّر في مخرج كهذا من أزمة لبنان الخانقة، ويدرس في الوقت نفسه إمكان تطبيقه مرّة ثانية، وربما بحث فيه أو سيبحث فيه مع لبنانيين وقبلهم مع الدول الخارجية المهتمة بلبنان.