بول وتريسي نجار.. فقدا طفلتهما في انفجار مرفأ بيروت فقررا المقاومة

كان بإمكان بول نجار وزوجته تريسي عوض التي تحمل الجنسية الكندية، ترك وطنهما، لبنان، والذهاب للعيش في مونتريال عقب مقتل ابنتهما، إليكسا، ذات الثلاثة أعوام والتي قضت في الانفجار الذي هز مرفأ بيروت في أغسطس من العام الماضي.

ولكن الزوجان اللبنانيان، وبحسب صحيفة “غلوبال آند ميل” قررا البقاء للمساهمة في بناء بلدهما والمساعدة في إنشاء نظام حكم عادل ورشيد يحقق الأمان والحياة الكريمة لجميع أبناء “أرض شجرة الأرز”.




وكان بول وتريسي قد قررا الهجرة عقب رحيل طفلتهما الوحيدة بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من وقوع انفجار المرفأ الذي هز العاصمة بيروت وأدى إلى مصرع أكثر من 200 ضحية وآلاف الجرحى وتدمير العديد من الأحياء والأبنية، ولكن تريسي تقول إنها عندما رأت العديد من المنظمات غير الحكومية والمتطوعين وهم يبذلون كل جهدهم وضمن إمكانياتهم البسيطة لمساعدة الناس، فإن ذلك بعث لهما برسالة أمل وإصرار على البقاء في لبنان.

من اليأس.. إلى الأمل

وتتذكر تريسي كيف هوت بجسدها على طفلتها لحمايتها من الشظايا الناجمة عن الانفجار، بيد أن فلذة كبدها سرعان ما فارقت الحياة متأثرة بجروحها في إحدى المستشفيات، مشيرة إلى أنها كانت تأمل أن لا يستغرق الأمر طويلا قبل أن تقتص العدالة من الجناة والمسؤولين عن حدوث تلك الكارثة التي لم تشهد لها بيروت مثيلا في تاريخها المعاصر.

وبدا كفاح الزوجين طوال العام من أجل العدالة في بعض الأحيان ميؤوسًا منه، حيث واصلت النخبة الحاكمة في لبنان التهرب من المساءلة عن دورها في كارثة الميناء، فيما غرقت البلاد لاحقا في أزمة اقتصادية وسياسية مدمرة أدت إلى فقدان العملة المحلية أكثر من 90 في المائة من قيمتها، مما تسبب في تضخم مفرط ونقص في الوقود والأدوية والسلع الرئيسية الأخرى.

لكن قرار البقاء قد أسفر عن بعض الانتصارات المهمة، فقد نجح بول مع قائمة “النقابة تنتفض” بالفوز بأغلب مقاعد مجلس المندوبين في نقابة المهندسين في بيروت والتي كانت تسيطر عليها الأحزاب الرئيسية لعقود عدة، ومما يدل على أهمية تلك الانتخابات أنها شهدت نسبة مشاركة تقدر بثلاثة أضعاف عن الانتخابات السابقة رغم تفشي جائحة فيروس كورونا.

“قادرون على الفوز”

وقال بول الذي حصل على نسبة 70 في المائة من الأصوات: “لم أعتقد أن انتصارنا سيكون أمرا ذي بال، ولكنه أعطي الأمل للناس في التغير، وأنا زوجتي سنبقى هنا ونواصل كفاحنا حيثما أمكن ذلك.

ولا يزال وجه الشاب البالغ من العمر 37 عامًا مشوهًا من الجروح التي تلقاها أثناء الانفجار، موضحا أن دخوله إلى السياسة أمر شخصي للغاية، “فعندما رأينا النتائج، كنا سعداء للغاية و أثبتنا أننا قادرون” على مواجهة النخب السياسية التقليدية من “أمراء الحرب الذين تحولوا إلى زعماء وقادة خلال الحرب الأهلية من العام من 1975 إلى  العام 1990”.

ومع وجود توقعات بأن تجري انتخابات برلمانية في العام القادم فإن فوز بول نجار قد أعطى المزيد من الآمال للشباب اللبناني الذي كان أطلق موجة من الاحتجاجات الشعبية في أكتوبر من العام 2019 للمطالبة برحيل الطبقة الحاكمة ومحاربة الفساد وإنهاء نظام المحاصصة الطائفية والعائلية وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وعن مغزى فوز المرشحين المستقلين بانتخابات نقابة المهندسين في بيروت، يقول نجار: “ذلك يعني أن الموافقة على أي مشاريع بناء قادمة سوف يتضمن عدم وجود رشاوى وفرض المعايير البيئية والصحية وغيرها من تلك الأمور قبل الموافقة على تلك المشاريع، وهذا سيشكل عقبة كبيرة أمام الفاسدين الذي يعملون في قطاع البنية التحتية”.

“معركة طويلة”

وفي نفس السياق، ترى سارة اليافي، وهي ناشطة سياسية تبلغ من العمر 36 عامًا أن ما حدث في انتخابات نقابة المهندسين هو جزء من “معركة واحدة في مهمة طويلة جدًا لاستعادة البلاد.. لدينا يقين بالانتصار”.

ولكن المماطلة في التحقيق بـ”كارثة 4 أغسطس” يسلط الضوء على مدى صعوبة حدوث تغييرات في لبنان، إذ جرت إقالة القاضي المكلف بالقضية، فادي صوان، بعد أن سعى إلى توجيه اتهامات بالتقصير والإهمال إلى رئيس الحكومة، حسان دياب، وثلاثة من كبار الوزراء.

وقد واجه القاضي الثاني المعين في القضية، طارق بيطار، نفس الحواجز ، بعد أن رفضت وزارة الداخلية طلبه باستجواب مدير الأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، والمقرب من حزب الله الذي نشر لافتات إعلانية ضخمة تتضمن دعما له ولدياب.

“العدالة أهم”

وفي حين حث العديد من اللبنانيين بول وتريسي، أحدهما أو كليهما، على الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة تقول عوض إنهما غير مهتمين بالمشاركة في السياسة على مستوى أعلى في الوقت الحالي، لأنهما يركزان جهودهما أكثر على محاسبة قتلة ابنتهما الصغيرة.

وقالت تريسي عوض، البالغة من العمر  35 عامًا إن الوصول إلى مجلس النواب مسألة تستغرق الكثير من الوقت، مردفة: “حاليا لسنا الأشخاص المناسبين لذلك ونركز في الوقت الحالي على تحقيق العدالة الناجزة لضحايا انفجار المرفأ”.

أما بول، فيقول: “العدالة، بالنسبة لنا، هي أن نتمكن من العيش في هذا البلد مرة أخرى”، مردفا: “ما الفائدة أن يدخل بعض الأشخاص السجن بينما لا يزال نفس النظام قائما، فعندها لن نشعر بالأمان وسنبقى نخشى إنجاب المزيد من الأولاد، نريد أن نبقى هنا في أرضنا لأن هذا من حقنا”.