اقتصاد لبنان يدخل نفقا أكثر قتامة مع نفاد الوقود

لم تتفاجأ الأوساط الاقتصادية اللبنانية بإعلان وزارة الطاقة أنها ستتوقف عن تسليم مادة المازوت (الديزل) بعد نفاد معظم المخزون، الأمر الذي اعتبرته مؤشرا على تفاقم أزمة نقص الوقود التي بدأت تظهر بوضوح منذ بداية 2021.

وأكد معظم المتابعين أن ذلك كان متوقعا لكثرة الأسباب، التي في مقدمتها تراخي السلطات وغياب الجدية في معالجة الأزمة عبر اعتماد حلول جذرية لإنقاذ هذا المجال الحيوي، الذي يعتبر عصب نمو الاقتصاد في أي دولة.




ويشهد لبنان الغارق في أزمة اقتصادية متمادية، رجّح البنك الدولي الشهر الماضي أن تكون من بين أسوأ ثلاث أزمات في العالم منذ عام 1850، شحّا في الفيول الضروري لتشغيل معامل إنتاج الكهرباء وفي الديزل المستخدم لتشغيل المولدات الخاصة، مع نضوب احتياطي الدولار لدى مصرف لبنان المركزي وتأخره في فتح اعتمادات للاستيراد.

وانتقل الجدل حول القضية المرتبطة بشكل أساسي بنشاط المواطنين وعمل الشركات والقطاعات الإنتاجية وبقية الخدمات الضرورية من الأماكن العامة إلى الشبكات الاجتماعية، حيث اتفق الكثير من الناشطين على أن سوء الإدارة والفساد تسببا في الوصول إلى هذا الوضع الكارثي.

وقالت المديرية العامة للنفط في وزارة الطاقة في بيان الأربعاء الماضي إن منشآتها النفطية “قامت الاثنين الماضي بتأمين السوق المحلية من مادة الديزل بمعظم قطاعاته بما فيها الأفران والمستشفيات والمولدات الكهربائية الخاصة والمرافق والمؤسسات العامة، بما فيها المطار الدولي والمؤسسات السياحية ومؤسسات المياه”.

وتابعت “أن الكميات الموزعة قدرت بحوالي 14 مليون لتر، ما يعادل نصف حمولة باخرة كاملة”.

وأشارت إلى أن هذه الكميات “وزعت على 160 شركة توزيع مما أدى إلى نفاد معظم المخزون في ظل عدم فتح اعتمادات مرتقبة لاستيراد بواخر إضافية من مادة المازوت”.

وأوضحت المديرية أن دورها ناظم للسوق ولا تتحمل وحدها عبء تغطية الطلب غير المسبوق على مادة المازوت وبالتالي ستتوجه إلزاميا للتوقف عن تسليم مادة المازوت، محتفظة بكمية محدودة جدا للحالات الطارئة والاستثنائية، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على المخزون الاستراتيجي للقوى الأمنية.

وتستورد وزارة الطاقة اللبنانية نحو 30 في المئة من حاجة السوق، في حين تؤمن الشركات الخاصة حوالي 70 في المئة من الطلب المحلي.

ويستخدم الديزل لتوليد الطاقة من المولدات الخاصة لتغطية نقص التيار الكهربائي بعدما وضعت معظم معامل إنتاج الطاقة في مؤسسة كهرباء لبنان الحكومية خارج الخدمة في التاسع من يوليو الجاري نتيجة نفاد المخزون من الغاز.

وتترافق أزمة الديزل والغاز مع نقص كبير في إمدادات البنزين، إذ تشهد محطات الوقود طوابير طويلة من السيارات التي تتوقف لساعات للتزود بالوقود.

كما يعاني لبنان منذ أكثر من شهرين نقصا في الوقود المخصص لمعامل إنتاج الطاقة، مما تسبب بانقطاع التيار الكهربائي لمدة 20 ساعة يوميا نتيجة شح النقد الأجنبي لدى مصرف لبنان المركزي وعجزه عن الاستمرار في تزويد الموردين بالدولار.

لكن هذه المشكلة جذورها قديمة أصلا، فالبلد يواجه منذ ثلاثة عقود مشكلة متفاقمة في قطاع الكهرباء ذي المعامل المتداعية ما يجبر غالبية المواطنين على دفع فاتورتين، واحدة للدولة وأخرى مرتفعة لأصحاب المولدات الخاصة، التي تعوض نقص إمدادات الدولة.

وكان المركزي يدعم منذ منتصف القرن الماضي استيراد المواد الأساسية، حيث تبلغ تكلفة برنامج الدعم للقمح والأدوية والوقود نحو 6 مليارات دولار سنويا يذهب نصفها للوقود.

ولكنه قلص دعم الوقود حاليا عبر آلية يوفر بموجبها 85 في المئة من دولارات القيمة الإجمالية لكلفة الاستيراد وفق سعر الصرف الرسمي البالغ 1515 ليرة للدولار، فيما يؤمن المستوردون نحو 15 في المئة المتبقية من الدولارات من السوق السوداء، بما يفوق 21 ألف ليرة مقابل الدولار الواحد.

وتُرجع شركات توزيع الوقود الشح في البنزين والديزل إلى أعمال التهريب إلى سوريا عبر معابر غير شرعية، مما يؤمن أرباحا كبيرة للمهربين نتيجة فارق السعر بين البلدين.

ويبلغ سعر صفيحة الوقود في سوريا نحو 249 ألف ليرة (174.3 دولار) في حين تباع في لبنان بنحو 75 ألف ليرة (52.5 دولار).

ومنذ أكثر من عام ونصف العام، انساق لبنان في أزمة اقتصادية حادة تسببت بتدهور متسارع في قيمة العملة المحلية مقابل الدولار، وانخفاضا حادا في احتياطي العملات الأجنبية لدى المركزي.

وبلغت احتياطيات لبنان من النقد الأجنبي ما يزيد قليلا عن 15 مليار دولار في مارس الماضي بعد أن كانت عند نحو 30 مليار دولار في نهاية العام 2019. ولم يقدم المركزي تحديثا للرقم منذ ذلك الحين.

وانعكست الأزمات السياسية المالية والاقتصادية والصحية في شكل تدهور معيشي متصاعد وشح في السيولة النقدية وقيود مصرفية على سحب الودائع، مما دفع السلطات إلى التوقف عن سداد الدين الخارجي في إطار إعادة هيكلة شاملة للدين الذي تجاوز حوالي 90 مليار دولار.

وتسببت كل تلك المشكلات والانفجار الذي ضرب مرفأ بيروت الدولي في أغسطس الماضي، بتفاقم الأزمة المالية، إضافة إلى تصاعد البطالة والفقر وتراجع قدرات اللبنانيين الشرائية مع ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية.