حازم الأمين

رياض سلامة وانفجار المرفأ – حازم الأمين – الحرة

استدعي حاكم مصرف لبنان إلى التحقيق من قبل القضاء في فرنسا وفي لبنان.. جرى ذلك بعد مرور نحو عامين على انهيار مالي هائل وصفه خبراء بأنه أكبر انهيار مالي في التاريخ، جرت خلاله انتهاكات للقانون لا جدال حولها، وخسرت العملة اللبنانية حتى الآن أكثر من ٩٠ بالمئة من قيمتها، وها نحن على شفير مجاعة حقيقية، وفي قلب كوارث صحية واجتماعية ومعيشية.

وفي مواجهة كل هذا المشهد، استدعي رجل إلى التحقيق! صحيح أنه متهم، إلا أن احتمال نجاته أكبر من احتمال إدانته. لم تجر محاسبة أحد حتى الآن، وكأن ما جرى كان قضاءً وقدراً!




رياض سلامة أحد أسرار نظام الفساد في لبنان. لم يتمكن أحد حتى الآن من أن يحدد لنا من يحمي رياض سلامة! معظم من تتحدث معهم من السياسيين يلمحون إلى أنهم لا يحبونه، إلا أنهم يرتابون بمن يقترب منه بأي اتهام.

حزب الله غير متمسك برياض سلامة بالعلن، ميشال عون لطالما قال إنه يفضل أن يقيله، سعد الحريري صار خارج منطقة التأثير بمستقبله هو نفسه، فما بالك بالقدرة على حماية الحاكم.

وحده نبيه بري قال ذات يوم إنه، لا يفضل الإطاحة بالحاكم، إلا أن بري لا يكفي لحماية سلامة، ناهيك عن أنه لن يقف بوجه إرادة حزب الله إذا ما رغب الأخير بالإطاحة بسلامة!

حجم الكارثة في لبنان يكفي للإطاحة بكل الطبقة السياسية. القانون اللبناني صار نكتة، ومخالفته صارت القاعدة.

انفجار ٤ آب أسبابه واضحة، والمتسببون به معروفون، تحميهم طوائفهم، ويحميهم النظام، وأقوى من يحميهم هو حزب الله، الذي اعتبر أمينه العام في خطابه الأخير أن استدعاء القضاء لبعضهم هو استدعاء سياسي!

هذا صار واضحاً لكل اللبنانيين، ولكن ما ليس واضحاً حتى الإن هو: من يحمي رياض سلامة! الـ”Capitol control” الذي تمارسه المصارف فيه مخالفة يومية للقانون، والأفظع منه ممارسته على صغار المودعين ومتوسطيهم، في وقت كشفت الصحافة السويسرية أن المصارف اللبنانية حولت خلال فترة حجزها على ودائع زبائنها نحو مليارين ونصف المليار دولار إلى المصارف السويسرية.

هذا الإعلان لم يستدعِ توضيحاً، ولم يغير شيئاً في تراجيديا المودع مع المصرف. لم يشعر الحاكم بأن أحداً يستحق أن يوضح له ما قصة هذه الودائع التي ارتفعت قيمتها فجأة في سويسرا!

مسار الفضيحة المصرفية لم يكن أقل مأساوية من فضيحة انفجار المرفأ، لا بل شكلا مساراً واحداً، أفضت فيه الأولى إلى الثانية.

المتسببون بالإفلاس تسببوا بانفجار المرفأ. النجاة من موبقة السطو على ودائع الناس، مهدت للنجاة من جريمة انفجار ٤ آب. سر وصول باخرة الأمونيوم إلى مرفأ بيروت، يشبه إلى حد كبير سر الحماية الهائلة التي يتمتع بها رياض سلامة.

الطبقة السياسية كلها وراء وصول الباخرة ووراء انفجارها ووراء كارثة ٤ آب. والطبقة السياسية كلها تحمي رياض سلامة، ليس لأنها تحبه، بل لأنه أمن لها دخلاً هائلاً تمثل بجني أعمار أكثر من مليوني مودع لبناني وسوري وعراقي، وهو إذ فعل ذلك، وثق فعلته بحيث جعل أي اقتراب منه سيفضي إلى فضحهم جميعاً.

النظام السوري أقدم بالأمس على مصادرة أملاك سياسيين لبنانيين بحجة تعويض مودعين سوريين في المصارف اللبنانية خسائرهم! لم يقترب النظام في دمشق من أملاك المصارف اللبنانية، ولم ينبس بعبارة تدين رأس النظام المالي اللبناني!

جبران باسيل، خاض في العام ٢٠١٦ حرباً شعواء لتغيير سلامة، وفجأة صمت ولم تعد حاكمية مصرف لبنان جزءاً من طموحاته.

حزب الله يشيع في بيئته أنه غير راغب ببقاء سلامة، إلا أن اللبنانيين يعرفون أن لا أحد يمكنه أن يقف بوجه رغبة الحزب، إذا ما شاء تغيير حاكم المصرف.

رياض سلامة هو النظام، والاقتراب منه هو اقتراب من النظام. تماماً مثل ما هو الاقتراب من سر الباخرة التي وصلت إلى مرفأ بيروت في العام ٢٠١٣ وانفجرت بوجه المدينة في العام ٢٠٢٠، هو اقتراب من النظام أيضاً.

رياض سلامة منطقة تتقاطع فيها مصالح النظامين اللبناني والسوري المالية، والباخرة المحملة بالأمونيوم الغامض أيضاً منطقة تتقاطع فيها المصالح الأمنية للنظامين المجرمين في بيروت وفي دمشق.

القضاء في لبنان أضعف من أن يتعامل مع الجريمتين. قاضٍ نزيه لا يكفي لتولي هذه المهمة. ما يواجه القاضي فادي بيطار اليوم بعد استدعائه جزءاً من أركان النظام للتحقيق معهم في انفجار المرفأ مؤشر واضح على هذا الصعيد.

السياسيون أنفسهم سيجتمعون قريباً لحماية رياض سلامة.