المازوت يخنق لبنان.. ويهدد الكهرباء والمستشفيات والخبز

يشعر محسن، أنه يعيش واحدا من سيناريوهات “نهاية العالم”، منذ استفاق صباح اليوم الخميس على تبليغ من صاحب مولد الكهرباء في منطقته، الشياح – بيروت، أنه سيكون مضطرا لإطفاء المولد بعد نفاذ كمية المازوت لديه، وصعوبة تأمينها في ظل أزمة انقطاع عامة على صعيد البلاد.

يروي محسن لموقع “الحرة”، كيف عمّ الهلع منزله فور إبلاغهم بهذا الطارئ: “جمعنا كل ما يمكن إعادة شحنه من بطاريات وهواتف ومصابيح وحواسيب، فعلا كل ما يمكن شحنه ويعمل بالكهرباء ورحنا نوزعها أنا وأولادي على مقابس الكهرباء، فيما كانت زوجتي تركض في المنزل لتجمع الملابس وتغسلها قبل الانقطاع النهائي، جلسنا جميعاً في نهاية الأمر وبمشهد درامي ننظر إلى مصباح الغرفة وننتظر انتهاء قطرات المازوت”.




لم يعد بإمكان اللبنانيين إحصاء الأزمات التي تضربهم، فما كان يصل فرادى، بات اليوم لائحة تضرب البلاد بالجملة، على وقع أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخها، ووسط انعدام للحلول بفعل عمق الأزمة السياسية بين أركان السلطة اللبنانية.

وعقب أزمة البنزين وطوابيرها التي شلّت المواصلات وقطعت الطرقات وأوصلت البلاد إلى فوضى أمنية واجتماعية متنقلة بين محطات الوقود، يبدو أن أزمة انقطاع مادة المازوت ستكون أكثر دويا وتأثيرا على حياة سكان لبنان وأمنهم الاجتماعي، بحسب ما بدأ يظهر بعد انتهاء عطلة عيد الأضحى.

كارثة صحية محتملة

سجلت وسائل إعلام محلية، الخميس، وفاة مواطن لبناني داخل سيارته أثناء طابور انتظار في إحدى محطات الوقود، إثر تعرضه لأزمة صحية جرى نقله على أثرها إلى إحدى المستشفيات.

وأخطر ما في أزمة المازوت التي تصيب البلاد حاليا، أنه لن يتبقى للبنانيين مستشفيات يلجؤون إليها، إذ أعلنت نقابة أصحاب المستشفيات الخاصة، في بيان صادر عنها اليوم، أن “مشكلة كبيرة تواجه القطاع، إذ يتعذر على المستشفيات الحصول على مادة المازوت لتشغيل المولدات، في ظل انقطاع الكهرباء مدة لا تقل عن 20 ساعة في اليوم”.

ويشير البيان إلى أن “عددا من المستشفيات مهدد بنفاد هذه المادة خلال ساعات، مما سيعرض حياة المرضى للخطر”، وطالب بيان النقابة المسؤولين بـ”العمل فورا على حل هذه المشكلة تجنبا لكارثة صحية محتمة”.

وبالفعل، بدأ عدد من المستشفيات الصغيرة في خوض هذا السيناريو التعس، فيما المستشفيات التي تملك مخزونا أكبر من مادة المازوت، تعمل بآخر أنفاسها، حيث بات من الصعب تأمين المادة حتى في السوق السوداء.

أزمة خبز مطلع الأسبوع

انعكاس آخر لمشكلة انقطاع المازوت حذر منه اتحاد المخابز والأفران، في بيان له اليوم، أكد فيه أن “أزمة رغيف على الأبواب اعتبارا من الأسبوع المقبل، بسبب فقدان مادة المازوت، إذ ستضطر بعض الأفران والمخابز للتوقف بعد نفاد الاحتياط المتوافر لديها من هذه المادة”.

وأشار البيان إلى أن “مديرية النفط سلمت، الاثنين، كمية من هذه المادة لا تكفي أكثر من أسبوع، ولكن خلال عطلة عيد الأضحى المبارك لم تسلم أي كمية، في حين أعلنت مديرية النفط نفاد هذه المادة لديها، علما بأن مادة المازوت متوافرة في السوق السوداء بسعر 140 ألف ليرة للصفيحة الواحدة”.

وسأل البيان: “ما العمل وكيف ستؤمن الأفران والمخابز الرغيف للمواطنين؟ هل تتحمل الأفران أسعار السوق السوداء؟ الرغيف خط أحمر والكل يعلم ذلك، فلا تحملوا الأفران هذه المسؤولية. لذلك نطالب جميع المسؤولين وبصورة خاصة مديرية النفط، بتفادي هذه الأزمة وتأمين المازوت للأفران قبل يوم الاثنين، لأن الاحتياط المخزن لدى العديد من الأفران والمخابز، شارف على الانتهاء، ولن تتمكن الأسبوع المقبل من الإنتاج وستضطر للتوقف”.

وكانت المديرية العامة للنفط في لبنان أعلنت، الأربعاء، أنها ستتوقف عن تسليم مادة المازوت، والاحتفاظ بكمية محدودة جداً للحالات الطارئة والاستثنائية، إلى جانب الحفاظ على المخزون الاستراتيجي للقوى الأمنية، وذلك بعد نفاد معظم المخزون بعد توزيع استثنائي خلال عيد الأضحى، وفي ظل عدم ترقب فتح اعتمادات مرتقبة لاستيراد بواخر إضافية من مادة المازوت لصالح المنشآت”.

ويؤكد نقيب أصحاب الأفران، علي إبراهيم، في حديثه لموقع “الحرة” أن ما من خطوة حتى الآن اتخذت لمنع الكارثة المقبلة: “لم يتحرك أحد، نائمون، لا وزارة الاقتصاد المعنية برغيف الخبز، ولا وزارة الطاقة المعنية بتأمين الوقود. الأسبوع المقبل ستنضم الأفران لمحطات الوقود وسنشهد إغلاقات بالجملة، وطوابير أمام الأفران العاملة بآخر مخزونها من المازوت، وأكبر مخزون لا يكفي أكثر من أسبوع.”

ويضيف: “تصل بهم الوقاحة إلى إعلان نفاذ المخزون، ثم ترك البلاد معلقة دون حل، كيف نعمل؟ كيف يعمل البلد كله دون كهرباء ولا محروقات؟”

ويعتبر إبراهيم أن الأزمة “مفتعلة، ولا أفهم سبب عدم فتح الاعتمادات في موعدها من قبل مصرف لبنان لاستيراد المازوت حسب حاجة السوق بعدما رفعوا سعره، طالما سيعيد فتحها بعد المماطلة، كذلك لا أفهم كيف تنقطع المادة من الأسواق وتتوفر في السوق السوداء حصراً.. من المستفيد من السوق السوداء؟ هذا افتعال للأزمة من قبل المافيات، وسنرى في الأيام المقبلة كيف ستحل بعدما باتت تهدد الرغيف، هل يجرؤون على خوض أزمة خبز؟ غصباً عنهم سيأمنون المازوت فكل شيء في البلاد سيتوقف، حتى كيس الخبز يعتمد على المازوت”.

الدولة في عطلة

وفي تصريح صحفي، قالت المديرة العامة لمنشآت النفط في وزارة الطاقة اللبنانية أورور فغالي، تعليقاً على أزمة انقطاع المازوت “لم أستطع متابعة موضوع شح المازوت بسبب عطلة عيد الأضحى… سأتواصل مع مصرف لبنان غداً”، وهو الأمر الذي أثار موجة ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، مما اعتبروه “تقصيرا واستهتارا واضحا بأزمة تهدد حياة المواطنين بين ساعة وأخرى”.

موقع “الحرة” تواصل مباشرة مع فغالي للاستيضاح بشأن هذا التصريح، وما إذا كانت وزارة الطاقة تعمل على حل للأزمة التي تهدد البلاد بالشلل الكامل، إلا أن مغالي رفضت التعليق أو الإدلاء بأي تصريح”.

وفي وقت لاحق صدر بيان عن رئاسة مجلس الوزراء ورد فيه أن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب تابع قضية شح مادتي البنزين والمازوت في الأسواق، “وذلك على الرغم من الاتفاق الذي حصل بين مصرف لبنان وأصحاب الشركات بتأمين حاجة السوق من مادتي البنزين والمازوت لمدة ثلاثة أشهر على قاعدة اعتماد سعر ٣٩٠٠ ليرة للدولار على منصة مصرف لبنان لسعر الاستيراد.

وإذ طلب دياب، بحسب البيان، “فتح تحقيق لكشف المتلاعبين والمحتكرين والجهة أو الجهات التي لم تلتزم بذلك الاتفاق وإعلان أسمائهم إلى الرأي العام، أعطى توجيهاته لتأمين المازوت بسرعة إلى الأفران المهددة بالتوقف، حيث تم تأمين ٥٠٠ ألف لتر من المازوت للأفران من شركة uniterminals تبدأ بتسلمها اعتباراً من يوم غد الجمعة، بناء على قسائم صادرة عن وزارة الاقتصاد”.

كذلك وفي بيان لها، أعادت المديرية العامة للنفط في لبنان التأكيد على “أن مخزونها من مادة المازوت في منشآت النفط في طرابلس والزهراني وصل إلى حده الأدنى، وهو مخصص للحالات الاستثنائية والطارئة”.

وطالبت كافة شركات المحروقات بتأمين احتياجات المستشفيات تباعا منعا للوصول إلى أي كارثة إنسانية جراء انقطاع المادة من المستشفيات.

كما دعا البيان مصرف لبنان إلى “ضرورة الإسراع والمبادرة السريعة حتى في فترات العطل والأعياد إلى فتح الاعتمادات الخاصة بمادة الديزل أويل، بعدما اقترب نفادها من الأسواق اللبنانية رأفة بالبلد والمواطنين، وتجاوباً مع صرخات المواطنين المحقة”.

رقعة العتمة تتسع

” لا أحد يسأل ولا أحد يجيب على أسئلتنا، نتصل بالوزير لا يرد، مستشاروه لا يجيبون، مدراء العموم في وزارة الطاقة أيضاً، كل المسؤولين في حالة سبات وتجاهل للأزمة”، يقول نقيب أصحاب المولدات عبده سعادة في تصريح لموقع “الحرة”.

ويضيف “كل مولدات لبنان بدأت تتوقف تباعا بسبب نفاد مادة المازوت، والدولة عاجزة عن تأمين الكهرباء من محطاتها وتغذية المناطق. لم تعد الأمور مسألة أيام وحلول مؤقتة، إن لم يتم إيجاد حل سريع ومستدام للأزمة، ستكون العتمة أمرا واقعا في كل لبنان، فاليوم نعيش كل ساعة بساعتها، المشكلة بصرف الاعتمادات وبالتوزيع ووزارة الطاقة هي المسؤولة ولا يمكننا انتظار الاعتمادات من مصرف لبنان، نحتاج إلى المازوت بصورة عاجلة قبل أن يحل الظلام الشامل”.




الحرة