الجيش في السماء وحزب الله على الأرض.. الترويج للسياحة العسكرية يزدهر في لبنان

يعيش لبنان اليوم ذروة موسم سياحي تعول عليه القطاعات السياحية والخدماتية في البلاد لتحقيق بعض الانتعاش في مواجهة الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها، والتي انتهت بانهيار مالي تضاعف معه سعر صرف الدولار أمام الليرة اللبنانية 13 مرة.

فبينما يسجل سعر الصرف الرسمي 1500 ليرة للدولار، بات سعر الصرف في السوق السوداء 19500 ليرة للدولار الواحد.




هذا الواقع جعل من السياح في لبنان، والمغتربين القادمين لتمضية عطلة الصيف فيه، مصدراً طازجاً للدولار، تتسابق على استقطابه المطاعم والفنادق والمنتجعات والمشروعات السياحية والترفيهية كافة في البلاد، وتتكل عليه المناطق والمدن السياحية لتنشيط أسواقها والحركة السياحية فيها، حتى بات من لا يملك مشروعاً سياحياً، يبتكر واحداً ليواكب الموسم القصير ويستفيد من مردوده.

سياحة عسكرية

الجيش اللبناني لم يكن استثناءً عن هذا المزاج العام. وبسبب الأزمة الاقتصادية التي انعكست على قدراته وأحوال عناصره وتحدث عنها قائده بشكل صريح بعد أن وصلت إلى حد المعاناة بالغذاء، دخل معترك السياحة، مطلقاً مشروع تنظيم رحلات جوية سياحية خاصة بالمدنيين، سواء كانوا لبنانيين أم مقيمين من جنسيات مختلفة، على متن طوافات عسكرية للتدريب من نوع “رايفن”، وذلك بالتنسيق بين قيادة الجيش والقوات الجوية اللبنانية، من أجل تأمين مورد مالي مساعد للجيش في ظل هذه الأزمة.

وتبلغ تكلفة الرحلة الجوية الواحدة لمدة 15 دقيقة، 150 دولارا تدفع بالعملة الأميركية حصراً، وتطال الفئات العمرية من 3 سنوات وما فوق. وقد أطلق الجيش من أجل مشروعه حملة إعلامية كبيرة للترويج ولفت الانتباه إليها تحت عنوان “لبنان.. من فوق”.

ومن فوق الأرض إلى تحتها، لم يكن الجيش اللبناني الوحيد الذي يلجأ إلى السياحة العسكرية لتأمين موارد وعائدات، حزب الله هو الآخر أعد عدة الترويج لسياحته العسكرية، بقوالب وطنية ترفيهية تروج لمشروعاته السياحية الحزبية، فتستقبل العائلات، وتستقطب الأطفال تحديداً، كما هو الحال مع مشروع “مليتا” الذي تملكه وتديره الميليشيا المسلحة في لبنان.

تبدل في الخطاب

وخلافا لما اعتاد حزب الله على بثه وترويجه، لم يضع هذا الموسم عقيدته وآيديولوجيته في مقدمة محاولات الترويج وإعلاناته، وإنما اكتفى بإظهار العلم اللبناني في الفيديوهات الترويجية مركزاً في العرض على المطاعم والملاهي وألعاب الأطفال والمساحات الخضراء، عوضاً عن التركيز على المتحف العسكري، وبعده الوجداني الذي أوجد الحزب مشروع “مليتا” من أجل استعراضه بالأصل.

وكان لافتا استهداف الأطفال كفئة عمرية تحديداً من خلال إعلاناته، والنشاطات التي أضافها على المنشأة، حيث ركز على حدائق ألعاب وحقول رماية وجولات atv وتسلق ونزول بالحبال وغيرها من الألعاب الترفيهية التي تتناسب مع الموسم السياحي والترفيه الذي يسعى إليه اللبنانيون اليوم في ظل ما يعانونه.

عرض ترويجي لحزب الله
عرض ترويجي لحزب الله

هذا الأمر طرح علامات استفهام بشأن الهدف من التغيير في لهجة مخاطبة حزب الله لجمهوره واستقطابه لهم بأساليب مختلفة عن المعتاد، وهو ما يحيله الصحفي والكاتب السياسي اللبناني علي الأمين على ضعف جاذبية خطاب حزب الله التقليدي، في ظل الأوضاع التي يعاني منها جميع اللبنانيين، وضمنا جمهور الحزب.

ويضيف الأمين في حديثه مع “الحرة”، أنه “لا يمكن لحزب الله اليوم أن يروج لنفسه عبر الانتصارات والمعارك والحروب فيما الناس تُذل على محطات الوقود وتنتظر في الطوابير، وفي هذه الظروف باتت “البروباغندا” التي اعتاد على بثها متآكلة. ورغم أنها ذكرى “حرب تموز” التي يطلق حزب الله خلالها مهرجاناته، ما عادت أولوية الناس اليوم الحديث عن الانتصارات والاستماع للخطابات الرنانة، وهذا ما يدركه حزب الله ويحاول الالتفاف عليه عبر مخاطبة الناس من منطلق خدماتي ترفيهي لجذبهم إلى معالمه العسكرية، في محاولة لتفادي تأثير الوضع العام في البلاد عليه”.

الهدف: مادي أم معنوي؟

أثار توقيت الحملة الإعلانية لحزب الله، والتي انطلقت فوراً بعد إعلان الجيش نشاطه السياحي، أسئلة حول ما إذا كان هدف حزب الله أيضاً تأمين مدخول مادي كما هو حال الجيش اللبناني، وبالتالي ما إذا كان هناك بعد اقتصادي للحملة، أم مكتسبات أخرى يسعى حزب الله لتحقيقها.

ويستبعد الأمين الهدف المادي ويقلل من أهميته بالنسبة إلى حزب الله، “فباعتباره منظمة أيديولوجية أمنية عسكرية يحاول السيطرة والإمساك بمناصريه، ويعمل على كل الأبعاد التربوية والإعلامية دائما من أجل تعزيز الآيديولوجيا وترسيخها. ولا شك أن البعد العسكري مهم، ويلعب دورا في إظهار علامات القوة والانتصار.

ويضيف الكاتب السياسي اللبناني أنه “وبالرغم من تقديم حزب الله لنفسه كحزب سياسي ولكن اليوم ليس لديه ما يقدمه لجمهوره، حتى بزعم تحقيق انتصارات أمنية وعسكرية، لكن أمام التحديات الاجتماعية السياسية المالية ليس لديه إجابات، وإجاباته سخيفة في الرد على الأزمة الاقتصادية، كأن ينصح مناصريه بزراعة الشرفات وحدائق المنازل”.

موقع “الحرة” استطاع الاطلاع على التسعيرات التي تعتمد في معلم “مليتا” للنشاطات المقامة فيه، وكان لافتا أن أسعار الدخول والنشاطات الترفيهية رمزية جداً لا تقترب من واقع الأسعار في البلاد، حيث لا تتجاوز تكلفة أي نشاط 20 ألف ليرة، والتي تساوي اليوم أقل من دولار واحد.

ويقول الأمين إن “هذا المردود بالكاد يكفي كلفة التشغيل وصيانة المكان وأجور العاملين فيه، لا شك أن الموارد المالية ليست عنصراً أساسيا في المعادلة، لكنه بهذه الخطوات التي يقدم فيها تخفيضات ويفتح أماكن ترفيه للمواطنين في الجنوب اللبناني، فإنه يساهم في تنفيس الاحتقان الاجتماعي الذي يعاني منه في بيئته، عبر القول إنه يفتح مرافقه للترفيه، وبأسعار أرخص، أو تخفيضات أو ما شابه، وفي نفس الوقت يحصر جمهوره ضمن ثقافته ومناخه وأماكن نفوذه، حيث يمكنه الاعتداد بنفسه والقول “أنا هنا البطل والحامي”.

منافسة للجيش اللبناني

وعادة ما تنحصر السياحة العسكرية حول العالم بجيوش الدول ومؤسساتها الأمنية الرسمية، التي تملك، قانونياً ومعنوياً، حصرية الاستعراض العسكري في البلاد، بحسب ما يؤكد العميد المتقاعد والخبير العسكري ناجي ملاعب.

لكن الواقع المختلف في لبنان، يفرض المنافسة بين القوتين العسكريتين الموجودتين في البلاد كحتمية، ولو انحصرت في إطار الاستعراض والسياحة العسكرية.

وهذا الواقع يثير اليوم مخاوف محلية ودولية، لاسيما مع تآكل مؤسسات الدولة اللبنانية على وقع الفساد الإداري والانهيار الاقتصادي الذي لم يسلم من تداعياته وتأثيراته الجيش اللبناني. وهذا ما دفع دولا عدة إلى تخصيص مساعدات مالية وعسكرية وغذائية للجيش اللبناني.

ولم يعد سراً خشية الدول الأوروبية، والولايات المتحدة، من انخفاض قدرات الجيش اللبناني وتضاؤل إمكانياته في تنفيذ مهماته، الأمر الذي سيصب تلقائياً في مصلحة القوة العسكرية الثانية في البلاد، حزب الله. وهو ما شكل دافعاً أساسياً لعقد مؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس منتصف الشهر الماضي بمشاركة 25 دولة صديقة للبنان، إضافة إلى تكثيف المساعدات للجيش من دول عدة أبرزها الولايات المتحدة والأردن ومصر والعراق وقطر.

وفي هذا الإطار يرى الأمين أن “حزب الله دائما ما يسعى ليثبّت في أذهان اللبنانيين وغير اللبنانيين أن هناك قوتين عسكريتين في البلاد، القوة الأولى له يسوقها كمقاومة للدفاع عن لبنان وبيئته، والقوة الثانية هي الجيش اللبناني، ويحرص حزب الله في تعامله معها على تصويرها بمظهر المؤسسة الضعيفة والهشة وغير القادرة على القيام بواجباتها، وذلك لأنه في اللحظة التي يؤمن فيها بالجيش اللبناني وقدراته ودوره يتنازل فيها عن دوره ويخسر حيثيته. وبالتالي يحرص دائما على إظهار تفوقه عسكريا ومالياً وتنظيمياً، ليقدم نفسه ضمانة لشعبيته التي يعمل بشكل مستمر على عزلها عن الشعور الوطني مقابل إيمانها بأيديولوجيته، وهذا ما يفسر استهداف الأطفال والعائلات بهدف أدلجة المجتمع”.

من جهته يرى العميد ملاعب خطورة، في هذا التوقيت بالذات، في تسويق الذهنية العسكرية وعسكرة المجتمع بالطريقة التي يقوم بها حزب الله، مضيفاً في حديثه لموقع “الحرة” أن “حزب الله لا يقصّر باستعراض قوته بمختلف المناسبات دينية كانت أو سياسية، والهدف منها عسكرة بيئته وإبقائها على جاهزية عسكرية دائماً في المجتمع، وإظهار نفسه دائما مدافعا وحيدا عن لبنان، كما أنه لم يقتصر باستعراضه على مناطقه، بل تحرك خارجها، واستعرض أمنياً حتى في العاصمة بيروت وضواحيها”.

ويتابع ملاعب “من المؤسف أنه (حزب الله) لا يتوانى عن دعوة قوى خارجية ووفود عربية وسفراء لزيارة هذه المعالم وحضور استعراضاته العسكرية التي يبث عبرها رسائل خارجية مفادها أنه القوة الحامية للبنان، فيما يفترض أن تكون هذه الصورة للجيش اللبناني، والأمور لا تقتصر على البعد السياحي للحضور العسكري”.

لكن الخطورة الكامنة في نشاطات الحزب هذه، بحسب ملاعب، “أنه ينمي مجتمعا معسكرا يؤمن بدويلة أقوى من الدولة، ويستقوي بسلاح غير شرعي يبث فائض قوة في بيئته التي سينعكس عليها سلباً وعلى باقي المجتمع اللبناني، ويدرب أجيالاً صغيرة على عقيدته فيعسكرها، ويؤدلجها، لتسهيل السيطرة عليها على المدى الطويل”.

ويختم ملاعب “هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها حزب الله سرقة الأضواء من الجيش اللبناني، فخلال معارك الجرود في عرسال والسلسلة الشرقية، حاول حزب الله سحب كل الأضواء من الجيش اللبناني لإظهار نفسه الحامي الوحيد للبنان مصوراً دوراً هامشياً للجيش اللبناني في المعركة، كما لا يوفر مناسبة في هذا الإطار إلا ويستغلها لتقوية دولته على الدولة اللبنانية ومؤسساتها”.



الحرة