هل ينجح “الثوار” المنقسمون في تغيير مجلس النواب جزئياً؟

سركيس نعوم – النهار

إعتذار الرئيس المكلّف #سعد الحريري عن عدم #تأليف الحكومة قبل أيام لا بد أن يكون دفع اللبنانيين الى اليأس. فهم على حافة الجوع، وصار دخل فئة كبيرة منهم أقل من دولارين في اليوم، وتبخّرت ودائع الطبقة الوسطى منهم إما بسبب تواطؤ الدولة اللبنانية ومصرف لبنان ومصارفه وفسادها، وإما بسبب عدم كفاءة المسؤولين وعجزهم عن معرفة الحاضر المتردّي وعن تقديم الحلول والخطط اللازمة لجعل المستقبل أقل سواداً تمهيداً لاستعادة لبنان الدولة والراحة والبحبوحة والأمن والإزدهار و… رغم كل ذلك لم تجد الطبقة السياسية المتنوّعة في الوضع المذكور دافعاً للتجاوب مع تعاطف الدول الشقيقة ودول العالم الكبرى مع لبنان وللعمل معها كما مع المنظمات الدولية من أجل منع الدمار الشامل للبلاد ووضعها على أول طريق استعادة العافية. ظهر ذلك في وضوح في تعنّت هذه الطبقة المتعاونة والمتشاركة والمتقاتلة على الحصص والمواقع والمكاسب في آن، وفي تمسّكها بالمواقف الوطنية شكلاً والطائفية – المذهبية مضموناً كما بالتحالفات الخارجية التي كانت مصدر غنىً وبحبوحة وقوّة فصارت مصدر فقر وظلم وتشدّد ضرب وحدة البلاد في صورة نهائية. ظهر أيضاً في تمسّك كل شعوب لبنان وقادتها سواء كانت منقسمة على نفسها أو موحَّدة بمواقفها ومكاسبها أنها غير عابئة بمصالح الناس ومصلحة الوطن. وظهر ثالثاً وضع الأفرقاء المتصارعين أنفسهم في تصرّف جهة إقليمية وأخرى دولية معتقدين أنهم بذلك يحمون أنفسهم من أي محاسبة ولا يهمهم إذا أنهى ذلك البلاد والدولة والكيان وحتى الوطن.




تلافياً لأن يبقى الكلام في العموميات يمكن القول أن اعتذار الحريري أنهى مرحلة البحث عن حكومة تواجه تفجير مرفأ بيروت أو إنفجاره في 4 آب الماضي وإنحدار لبنان السريع سياسياً وإقتصادياً ونقدياً واجتماعياً ودولتياً، وتلافي العالم الراغب في المساعدة وذلك بغية إنقاذ ما يُمكن إنقاذه قبل أن يُصبح “الهدم” هو الحل الوحيد للوضع الراهن وإعادة الإعمار لاحقاً على صعوبة ذلك. فالصعوبات التي حالت دون ذلك كثيرة ولن تجد من يحلها الآن. والإعتذار نفسه دفع أو سيدفع القوى السياسية وقادة الشعوب اللبنانية الى التركيز على استحقاق واحد لم يعد بعيداً هو إجراء إنتخابات نيابية جديدة في شهر أيار المقبل على الأرجح. إذ أن ما يهم كل منها هو العودة الى المجلس بقوة كبيرة والتأثير فيه قرارات وسياسات بواسطة تحالف كتل نيابية تجمعها مصالح واحدة أو مشتركة. من شأن إستشراء الطائفية والمذهبية والفقر أن يعيد إعتماد الناخبين على قادة شعوبهم الذين سيبقون قادرين على إقناعهم بأنهم الأقدر على المحافظة على دورهم في البلاد وعلى توفير بعض المال لهم لمواجهة العوز وانهيار العملة الوطنية. ولا يمكن في هذا المجال إلا اعتبار تمسّك القادة بالبطاقة التمويلية رشوةً للناخبين، ولكن هذه المرة من مال الدولة رغم إفلاسها. علماً أن أصحاب الثروات الكبيرة من المرشحين قد يسخون هذه المرة على ناخبيهم لأن سعر أصواتهم صار بخساً جداً بعد وصول الدولار أخيراً الى أكثر من 22000 ألف ليرة. وقد يصبح بلا قيمة حين يحين موعد ال#انتخابات لأن السعر المذكور قد يتضاعف حتى ذلك الوقت مرة أو أكثر.
هل ستكون الإنتخابات المقبلة مختلفة عن السابقة ولا سيما بعد “ثورة 17 تشرين الأول 2019” وانطلاق من قاموا بها رغم إنقسامهم مجموعات متناقضة الى الإعداد لخوضها بغية إيصال دمٍ جديد الى #مجلس النواب يدفعه في إتجاه تبنّي مسيرة إصلاحية لن يقوم لبنان من دونها؟ لا أحد يعرف منذ الآن. لكن المعلومات المتوافرة تشير الى أن الدول الداعية الى التغيير الديموقراطي الجدّي والى تجديد الطبقة السياسية ومعظمها غربية تبذل جهداً كبيراً على هذا الصعيد.

فممثلوها في لبنان يتحركون بنشاط بين المجموعات الشبابية ويدرّبونهم على العمل السياسي الهادف ويثقّفونهم ديموقراطياً ويزوّدونهم بمال يحتاجون إليه في معركتهم الإنتخابية. وتشير المعلومات نفسها الى أن الأطراف والجهات الرافضة تغييراً من هذا النوع تقوم باللازم أيضاً وبكل ما تستطيع للإحتفاظ بجماهيرها الغفورة. إذ تساعدها لمواجهة الفقر المدقع بإمكاناتها الواردة إليها من الخارج، وبتعبئتها طائفياً ومذهبياً حمايةً لدورها في البلاد المهدّد من جماعات طائفية ومذهبية أخرى. الى ذلك كله بدأت مجموعات لبنانية تنتمي الى أكثر من جهة سياسية البحث مع شخصيات لبنانية غير مؤدلجة طائفياً ومذهبياً تمتلك ثروات مالية طائلة في مشروع دعم مرشّحين جُدد وأكفّاء للإنتخابات النيابية مصوّرين لها أن ذلك سيمكّن البلاد من الوقوف على قدميها وسيحمي الجهات المهدَّدة من أخطار الجهات الأخرى المهدِّدة سواء بديموغرافياتها أو بتسليحها. وفي اعتقاد من يقومون بالحركات التجديدية المُشار إليها أنهم سيتمكنون من إيصال نحو ثلاثين نائباً أو أكثر الى المجلس. أما الأسئلة التي تُطرح هنا فهي: هل هناك ضمانٌ لنجاح التجديديين في تكوين كتلة نيابية وازنة قادرة على التغيير أو على الأقل على مواجهة المتشدّدين والتقليديين والمتحجّرين في كل الطوائف والمذاهب؟ وإذا كان هناك أملٌ في ذلك ألا يحفّز هذا الأمر الممسكين بالبلاد الى استعمال القوة وغيرها لمنع التجديد النيابي وإن فتح ذلك طريق الفوضى بل الحرب الأهلية من جديد؟ وهل سيكتفي مموِّلو المرشّحين الجدد بإيصالهم الى الندوة النيابية أم أنهم سيطلبون منهم أن يكونوا صوتهم فيها وفي الدولة بحيث يفتحون لهم أبواب زيادة ثرواتهم بعدما أسال الغاز والنفط الموجودين في بحر لبنان لُعابهم؟ وألم يدخل مجلس النواب المقتربة ولايته من الإنتهاء نحو 74 أو 76 نائباً جديداً؟ وماذا فعل هؤلاء داخل المجلس، وماذا أنجزوا في ممارساته، وهل تركوا أثراً إيجابياً في الحياة السياسية الوطنية؟

طبعاً لا يرمي “الموقف هذا النهار” الى تيئيس التغييريين، فهو كان دائماً ولا يزال من دعاة التغيير. لكن تجارب اللبنانيين في هذا المجال لم تكن ناجحة ولا مُقنعة لأن الإنتهازية والرغبة في الوصول طغت دائماً على العلم والثقافة وخدمة المواطنين والوطن. هذا الواقع يجب أن لا يدفع التغييريين الحقيقيين الى الإحجام بل الى الإنخراط بكل قوّة في محاولة التغيير. إذ هم أمام تجربة أخيرة لإنقاذ وطن ولاستحقاقه أو لإبقائه تحت سيطرة طبقة سياسية همّها السلطة والمكاسب والحصول عليهما بمحاباة الجهات الخارجية المتنوّعة الممسكة بالبلاد كما بتعزيز الإنقسامات الطائفية والمذهبية.