بعد نتائج نقابة المهندسين.. هل تعيش الأحزاب اللبنانية مرحلة السقوط الكبير؟

في معركة نقابة المهندسين في بيروت هُزمت السلطة السياسية بأمها وأبيها شر هزيمة وأخرجت مدحورة في استحقاق انتخابي لأهم نقابة لبنانية تعتبر مؤشراً حقيقياً على حضور الأحزاب السياسية. هذا الفوز ليس يتيماً بل سبقته انتصارات في نقابة المحامين في بيروت، وتلاشٍ لافت في انتخابات الطلاب في الجامعات الخاصة على امتداد لبنان المأزوم المكلوم من منظومة أحزاب الإفلاس والقهر.

وفاز تحالف النقابة تنتفض بفارق كبير بعدد الأصوات بلغ أكثر من أربعة أضعاف أصوات أحزاب السلطة مجتمعة؛ حيث حصل النقيب المنتخب عارف ياسين على 5798 صوتاً، وبات نقيباً للمهندسين خلفاً للنقيب لجاد ثابت، بينما تجرع مرشح تحالف تيار المستقبل وحركة أمل “باسم العويني” سم الهزيمة الساحقة بحصوله على 1528 صوتاً، فيما حصل مرشح حزب الله والتيار الوطني الحر والقوات اللبنانية على 1289 صوتاً فقط، ما يترجم أنه هزيمة محققة لقوى السلطة السياسية التقليدية.




في السياسة، لم تفلح كل المفاوضات ومحاولات لم الشمل التي أجرتها قوى السلطة وأحزابها في توحيد بوصلة معركتها بوجه لائحة “النقابة تنتفض” ومجموعات ثورة 17 تشرين وأحزاب المعارضة. مرشح تيار المستقبل باسم العويني، خاض الانتخابات “مدعوماً من تياره السياسي يضاف إليه حركة أمل وجمعية متخرجي جامعة بيروت العربية واتحاد العائلات البيروتية”.

فيما مرشح السلطة الثاني عبدو سكرية بات مدعوماً من التناقض، أي من حزب الله والقوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، وعلى الرغم من أن حزب الله سعى وحتى ساعات متأخرة من ليل الأحد للضغط باتجاه سحب مرشح المستقبل لدعم سكرية كمرشّح وحيد في وجه عارف ياسين وتحالف النقابة تنتفض لأن الحزب إياه يرى أن تشتيت الأصوات يعني أن الفوز سيحالف مرشحي قوى التغيير السياسي الناشئة من رحم تجربة الثورة، لكن محاولاته باءت بالفشل لمجموعة اعتبارات:

الأولى: أن القوات اللبنانية متمسكة بحربها غير المعلنة على تيار المستقبل كجزء من معركة السعودية الشاملة لإضعاف سعد الحريري وإنهائه في السياسة، وهذا ما بات واضحاً لتيار المستقبل والذي يعتبر أنه طعن سابقاً من القوات في انتخابات نقابة المهندسين في مدينة طرابلس، كما أن القوات حاولت وعلى مدى أسابيع منصرمة شيطنة مرشح المعارضة عارف ياسين بكونه من خلفية “يسارية”، حيث تخشى القوات أن تحصد مجموعات الثورة انتصارات الغضب الشعبي بدلاً منه وتحديداً في نقابة بهذا الحجم.

الثانية: تتقاطع أهداف القوات اللبنانية “بتصغير” الحريري مع التيار الوطني الحر، لم يجد التيار حرجاً في التحالف مع القوات وقوى أخرى مناوئة له لكسر الحريري، خاصة أن نتائج المعركة كانت واضحة قبيل أسابيع ومنذ الانتصار الأول والذي تحقق في انتخابات الفروع.

ثالثاً: خاض تيار المستقبل حربه ضد عارف ياسين من منطلق مذهبي ومناطقي صرف، عبر محاولة اتهامه تارة بالشيوعية والعلمانية، وفتح بازار التجني الشخصي بأنه ينتمي إلى الحزب الشيوعي، وآخرها ما تم التداول به على وسائل التواصل الاجتماعي بأنّ ياسين مدعوم من حزب الله عبر رسالة تجييش مذهبية بأنّ “حزب الله يحارب عارف أن يكون النقيب من السنة ومن مدينة بيروت في منصب نقيب المهندسين ويطالب مناصريه بانتخاب المرشح “الشيعي” عارف ياسين. فبات تشويه صورة ياسين وصورة “النقابة تنتفض” مكان تلاقٍ لدى كل أحزاب المنظومة المأزومة.

رابعاً: وعلى عكس ما روج تيار المستقبل والقوى التقليدية في الطائفة السنية فإن فوز عارف ياسين “الشيعي المنتفض على قبضة الثنائي” يشكل ضربة لحزب الله أولاً ولحركة أمل ثانياً، لأنه وفق عقلية هذا الثنائي الممسك بأمور الطائفة ممنوع تمثيل الطائفة الشيعية من خارج هذه التركيبة، وتحديداً المعارضة ليست مسموحة مهما كان الثمن ولا تزاح قشة إلا بموافقة هذين الحزبين، وبحسب ما نقل عن الرئيس نبيه بري قوله “ممنوع فوز عارف ياسين مهما كلف الأمر”، فيما يشكل فوزه ضربة موجعة لحزب الله مهما حاول البعض تسخيف الأمر.

خامساً: تشكل الجماعة الإسلامية قوة وازنة نقابياً كمثيلاتها من جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي، وتحاول تاريخياً عبر خطابها السياسي والديني استقطاب عشرات الشبان الخريجين والذين يلتحقون في نقابات المهن الحرة، منذ سنوات تعيش الجماعة تراجعاً سياسياً ملحوظاً أفقدها نخبة كوادرها وتحديداً الشابة، وأتت انتفاضة 17 تشرين لترجمة هذا التراجع وليس العكس، من تبقى من شبابها قلبه في الثورة فيما للقيادة السياسية حسابات أخرى إما عند سعد الحريري وإما عند حزب الله، هذا التخبط أبعد المجموعات السياسية المنتفضة عنها ومعركة نقابة المهندسين خير دليل، سحبت مرشحيها لكنها أصدرت بياناً رمادياً دون الدعوة لانتخاب لائحة النقابة تنتفض يقال وفق مطلعين لحسابات متعلقة بانتخابات ربيع العام القادم.

سادساً: استطاعت قوى التغيير السياسي إنشاء تحالف انتخابي على الرغم من التباينات الظاهرة بين مجموعاته في التوجهات السياسية أو حتى في الانتماءات الأيديولوجية، وتوحدت على شعار مواجهة المنظومة في ظل تسارع الانهيار وتسلسل الأحداث وآخرها اعتذار الحريري والصراعات التي تعاني منها أحزاب السلطة التقليدية، وهذا التحالف قد يمهد لنشوء تحالف مماثل في انتخابات البرلمان ربيع العام 2021 وخاصة أن مساعي تشكيل الجبهات تتسارع وتتقدم وحوارات تجري بين مجموعات أخرى للعمل على أوراق مشتركة وتحركات منسقة بشكل أوسع.

وعليه يمكن القول إن انتخابات نقابة المهندسين في لبنان أولى مؤشرات العملية التغييرية في لبنان، وإحدى أدوات التحضير للمعارك السياسية الأوسع، خاصة أن المشهد اللبناني يزداد سخونة والقوى الدولية حريصة على استيعاب أي حركة اعتراضية تجري لبنانياً- لقاءات ديفيد شينكر وديفيد هيل ووزير الخارجية الفرنسية مع مجموعات الثورة بدلاً من قوى السلطة- بالإضافة إلى أن بيئات متعددة بدأت بالتحرك والخروج على كماشة الأحزاب الطائفية والمذهبية.



عربي بوست