مرحلة ما بعد عزوف الحريري: سلبية عند بري وغموض عند “حزب الله”

ابراهيم بيرم – النهار

في وساط بعبدا يتم في الايام القليلة الماضية تداول رواية فحواها ان جهات معنية في القصر استمزجت بشكل غير مباشر رأي رئيس مجلس النواب #نبيه بري في امكان فتح قناة تواصل بينهما بهدف “تدبير الامور وترتيبها بالتي هي احسن بعد مرحلة خروج الرئيس #سعد الحريري من مربع التكليف والشروع عملياً في رحلة بحث وتقص عمن يمكن ان يسمى مرشحاً بديلاً لتأليف الحكومة المنتظرة.




لكن الجهات عينها وفق الرواية تلقت جواباً سلبياً جوهره: روحوا دبروا حالكن فالذي طلع الجحش عا الميذنة خليه يدبر عملية انزاله.
في ظاهر هذا الردّ يتبدّى ان بري انما يفصح عن استياء مكتوم بلغ مقام ذروة المرارة اخيراً حيال موضوع تصعيب إستيلاد الحكومة وتعقيد السبل امام الرئيس المكلف المعتذر للتو، وانه (اي بري) استتباعاً ليس في وارد التنسيق والتعاون توطئة للمرحلة التالية.

ولكن الذين يعرفون بري عن كثب يستنتجون سلفاً انه سلوك تصعيدي متوقع من زعيم وطّن نفسه على مواجهة مع العهد وحاشيته مذ وصول سيّده الى القصر الرئاسي، في ظروف معلومة، ومع ذلك ثمة في اوساط زوار عين التينة من لايكتم ان الاستياء الذي يبوح به بري هو في واقع الحال استياء مزدوج من طرفي التأليف. فالكل يعلم ان سيد عين التينة لم يلق التجاوب المطلوب من الرئيس الحريري حيال نصيحته اياه بالحيلولة دون قفل الابواب مع الرئيس عون وضرورة المضي معه في رحلة اخذ وعطاء حول الاسماء الواردة في التشكيلة التي سلّمها الرئيس المكلف في ليلة العزوف الاخيرة عينها.
أعطى بري متصلين به املاً كبيراً في إمكان الوصول الى تفاهم بين الرئيسين “انطلاقاً من ان الاسماء المقترحة معقولة جداً وانه يمكن تقديم البعض منها وتاخيره”.

وهكذا يبدو في الشكل ايضاً ان بري ربما قرر الانضمام ولو بشكل غير معلن الى “الاعتصام السياسي” الذي يبديه الحريري بعد عزوفه من خلال عدم التجاوب مع دعوات وجهت اليه للمشاركة بتسمية او تزكية من يمكن ان يقع عليه خيار التكليف معلناً مراراً انه لن يسير في هذا الامر.
واذا كان البعض يبدي تفهماً لردة الفعل السلبية لزعيم بمستوى الحريري يتصرف على انه “مطعون سياسياً من جهات شتى” وفق ما أفصح في مقابلته المتلفزة ليلة العزوف وانه مبعد قسرياً عن موقع اعلن تكراراً انه من حقه الشرعي، فإن ما يستوقف المراقبين هو هذا السلوك المشوب بالتوتر للرئيس بري، وهو المعتاد على معالجة الصعوبات وامتصاص التداعيات وعدم قطع العلاقة مع احد مهما كانت واهية، وهو استطراداً القيادي الذي ما اعتاد ان يظهر بمظهر الخارج خاسراً من اي مواجهة يخوض غمارها.

وعليه وان كان بري لايكتم امام الاعلاميين وزواره حجم الضيق الذي يلمّ به اخيراً، فان العارفين بشأن الرئاسة الثانية وتاريخها يستنتجون ضمنا انه لن يبقى طويلاً في سلبيته واضرابه الحالي. لذا فالرهان ان بري عائد ولاريب الى ساح الفعل والتاثير لانه لايريد ان يبدد عقوداً من الحضور ورصيداً مذخراً من القدرة على تدوير الزوايا وهو الطامح الى ولاية سابعة في المنصب الذي تولاه منذ عام 1992.
بيد انه والى لحظة العودة المرتقبة تلك، فانه يبدو انه اختار سياسة الانكفاء لثلاث مقاصد:
– بعث رسالة الى من يعنيهم الامر من الحلفاء والخصوم على حد سواء تعبر عن مستوى الاستياء الذي يختزنه من جراء جرّ الامور الى هذا المربع من التعقيد.
– ان صورة الوضع في مرحلة ما بعد عزوف الحريري محفوفة بالضبابية والالتباس، لذا لابد من استشراف افاقها ليبنى على الشيء مقتضاه. اذ ان بري عليم ببورصة الاسماء غير الطويلة التي يتم التداول بها خصوصاً من جهة القصر لترؤس الحكومة العتيدة لكنه يعي ان المخاض عسير والطريق طويل، وقلة من يقبل النزول الى ميدان التحدي والتصدي وبلوغ مرحلة المرشح الممكن.

– وفي كل الاحوال لايخفي سيّد عين التينة انه ما انفكّ متوقفاً عن مسلمته المعروفة وهي إما حكومة برئاسة الحريري وإما برئاسة من يسميه الحريري. وهذا هو السقف الذي يراه مناسباً وواعداً. اذ ان تجربة او محاولة خلاف هذه الشروط تبدو جرعة سلبية اضافية للوضع المتوتر والمحتقن.
في الموازاة يعجز المتصلون بدوائر القرار المعنية في “#حزب الله ” بالخروج باستنتاج شاف عن تصورهم الجلي لمرحلة ما بعد الحريري، اذ ليس عندهم اي اسم جاهز ينال تزكيتهم وان كانت لديهم تحفظات على اسمين معروفين فقط (فؤاد السنيورة ونواف سلام).
ومع ذلك فثمة أمور ترى تلك الدوائر ضرورة أخذها بالاعتبار عند البحث الجدي عمن يؤلف ومنها:
– اختيار واع ومدروس ومتأن للشخصية التي يمكن ان ترشح لخلافة الحريري.
– ان الحزب من انصار دعوة الحريري الى المشاركة في تسمية من يخلفه والقناعة ليست مستجدة وهي لم تتزعزع رغم الموقف السلبي من الحريري تجاه الحزب في اطلالته الاعلامية.

– ضرورة تسهيل الامور وتذليل العقبات امام اي مرشح والحيلولة دون تكبيله بشروط وأثقال.
وبين هذا وذاك يؤكد نائب رئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي ان لامعطيات جديدة يعتدّ بها لحد الان في موضوع التكليف والتأليف. لكنه يعلن في حديث مع “النهار” انه مازال مقيماً على اعتقاده الراسخ بأن لايجد مكاناً لأي شخصية تكلف برئاسة الحكومة ما لم تحظ بمباركة الرئيس الحريري وما يمثله لذا فإن العودة الى محاورة الرجل على هذا الاساس يتعين ان لا تنقضي، فالمعادلات الثابتة والمنطقية تؤكد ان الحريري فرض سقوفاً لايمكن تجاوزها.
وسبب آخر للخشية يكشف عنه الفرزلي من خلال التذكير بأن تجربة العهد المريرة مع الرئيس المكلف لاتشجع احداً على خوض غمار التجربة ثانية.
ويكرر ان أداء رموز العهد وسلوكهم يوحي بأنهم يقاربون مسألة التكليف والتأليف من كونها فرصتهم الذهبية لضمان وصول الرئاسة الى جبران باسيل، لذا اعتقد ان من دفع الامور الى هذا المستوى من الانهيار المريع لايستبطن رغبة بإعادة إحياء النظام الدستوري واتفاق الطائف.
وعليه فما انفك الفرزلي عند رؤية سابقة له وهي ان فريق الاقصاء والالغاء عينه لن يكفّ عن العمل جاهداً لمنع حصول الانتخابات النيابية في موعدها المبدئي إمعاناً في نهج التعطيل وادامة الفراغ.

وعن موقف الرئيس بري المتسم بالسلبية والتحصن بالاعتكاف عن الفعل يجيب الفرزلي “الاكيد ان الرئيس بري انما هو في حال احباط وزعل مما بلغته الاوضاع من جراء التمادي بنهج التعطيل وهو لا يلام اطلاقاً”.