هل أحبط السنيورة اتفاقاً شاملاً بين الحريري وباسيل؟

سركيس نعوم – النهار

قبل اعتذار الرئيس المُكلَّف بساعات عن تأليف الحكومة بعد نحو ثمانية أشهر من المساعي والجهود الفاشلة تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي خبراً عن الـ. سي. ان. ان. العربيّة يُفيد أنّ المساعي التي بُذلت أخيراً من أكثر من طرف في المنطقة والعالم ل#تشكيل الحكومة قد نجحت. ويُؤكّد أنّ اللقاء الثاني مع الرئيس المكلف بعد عودته من زيارته الأخيرة لمصر سيكون إيجابيّاً، إذ سيتخلّله اتفاق بين رئيس الجمهوريّة والرئيس المُكلَّف على تشكيلة حكوميّة لن يتأخّر صدور مرسوم تأليفها الذي لا بُدّ أن يُرافقه مرسومان آخران واحد بقبول استقالة حكومة الرئيس دياب المُقدّمة منذ أشهر طويلة، وآخر بتكليف الرئيس الحريري تأليف حكومة جديدة. لكنّ خبر الوسيلة الإعلاميّة الأميركيّة الأقوى في العالم أظهرت تطوّرات الاجتماع الثاني بين رئيس الدولة والرئيس المُكلّف عدم صحّته. فالأوّل رفض التشكيلة الحكوميّة المختلفة جذريّاً عن تلك التي تفاوض عليها مع الثاني غير مرّة في الماضي القريب، بعد إدارة رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي “محرّكاته” من جديد بناءً لطلب من شريكه وصديقه وحليفه في “الثنائيّة الشيعيّة” أي “حزب الله”. وتمسَّك عون بمطالبه السابقة وهي تعيين الوزراء الذين سيكونون له مباشرة كما عبر “التيّار الوطني الحر” الذي أسَّسه وأعطى رئاسته لاحقاً إلى صهره والأقرب إليه من أنسبائه كلّهم النائب الحالي والوزير السابق #جبران باسيل. كما أنّه أكّد أن نوّاب “التيّار” لن يمنحوه الثقة وإن قدَّم التنازل المطلوب. علماً أنّهم أساساً لم يقترحوا تكليفه تأليف الحكومة في الاستشارات النيابيّة المُلزمة التي أجراها الرئيس في حينه. لكنّ الخبر الذي صدر في موقع “النهار الإلكتروني” قبل يومين والذي أعادت “النهار الورقيّة” نشره أمس في صفحتها الأولى وعلى ثمانية أعمدة رغم نفي قصر بعبدا له فور صدوره أظهر ببعض تفاصيله أنّ الرئيس المُكلّف الحريري كان مُستعدّاً رغم التشكيلة الحكوميّة الجديدة التي قدّمها له إلى البحث الجاد معه من أجل التوصُّل إلى تفاهم. أظهر أيضاً أنّ الحريري بطريقته الفجَّة في طرح التشكيلة على الرئيس كان يحاول الردّ على سلسلة المواقف السلبيّة التي بادره بها عون خلال الأشهر التسعة الماضية. لكنّه كان يعتقد أنّ سيّد قصر بعبدا سيفتح باب التفاوض من جديد إذا طرحه الحريري وتمسّك به. غير أنّ اعتقاده كان في غير محلّه إذ قطع عون الطريق على هذه المحاولة بأمرين. الأوّل أنّ قراره عدم التعاون مع الحريري نهائي. والثاني تفاجؤ الحريري بذلك بدليل “النظرات” الضائعة أو التائهة للحريري التي نقلها التلفزيون للبنانيّين وغيرهم في جلسة كرِّست للاعتذار الأمر الذي أوحى أنّ شعورين متناقضين تناوبا عليه. الأوّل التسهيل والتفاهم على حكومة والآخر الاستمرار في التعقيد في حال بادر عون إلى التعقيد، والاستعداد للمواجهة في السياسة وفي الشارع أو الشوارع وبكل الوسائل المُتاحة.




لماذا هذه المقدّمة الطويلة؟ هي لتأكيد أنّ إيجابيّة خبر الـ سي. ان. ان. المذكور في مطلع “الموقف هذا النهار” لم تكُن تعبيراً عن رغبة في نهاية إيجابيّة للأزمة الحكوميّة بقدر ما كانت مُنطلقة من مُعطيات أنّ تفاهماً ما بين “طابخي” الحكومة قد تمّ التوصُّل إليه أو بالأحرى لم يعُد مستحيلاً التوصُّل إليه. والمعلومات التي حصل عليها “الموقف هذا النهار” صباح يوم الخميس الماضي أو ربّما الأربعاء الذي سبقه ومن مصدر لا يتعاطى السياسة لكنّ علاقاته المُتشعّبة والمُتنوِّعة بعدد من كبار الساسة في البلاد وغيرهم أكّدت ذلك. وموجزها أنّ مشاورات عدّة أجريت، قبل زيارة الحريري مصر واجتماعه برئيس جمهوريّتها عبد الفتاح السيسي في حضور وزير خارجيّته ومدير المخابرات العامّة في البلاد، بين فريق الرئيس المُكلّف وفريق رئيس “التيّار الوطني الحر”، وأنّ اتفاقاً بينهما أو شبه اتفاق تمّ على أمور عدّة أوّلها استعداد باسيل للتفاهم مع الحريري على تشكيلة حكوميّة تُرضي فريقيهما ولا تُحرج شعبيهما ولا سيّما بعدما وصلت العلاقات بينهما إلى مرحلة الحرب المباشرة سياسيّاً وإعلاميّاً وطائفيّاً. ولم يعُد ينقصها سوى الانتقال إلى الحرب الميدانيّة. لكنّها لم تشتعل لأنّ حليف الأوّل والمُتمسِّك بالثاني رئيساً للحكومة أي “حزب الله” لم يكُن في هذا الوارد على الإطلاق. ولا أحد يستطيع تجاوزه في هذا المجال. ثاني الأمور موافقة الحريري على انتخاب باسيل رئيساً للجمهوريّة بعد سنة وبضعة أشهر خلفاً لعمّه الرئيس عون أو في أيّ وقت تفرغ سدَّة الرئاسة لسبب أو لآخر. ويعني ذلك بدء تعاون ما بينهما من الآن وحتّى الاستحقاق الرئاسي وربما في استحقاق الانتخابات النيابيّة أيضاً وفي الولاية الرئاسيّة الباسيليّة من موقع رئاسة الحكومة. ثالث الأمور قيام باسيل بتهيئة أجواء عمّه رئيس الدولة ولا سيّما بعدما أصيبت علاقته بالحريري بعطلٍ كبير ودائم قد يكون صار غير قابل للتصليح. رابع الأمور تولّي باسيل إقناع حليفه وحليف الرئيس عون أي “حزب الله” بالاتفاق الذي صار قريباً من الاكتمال بينه وبين الحريري وخصوصاً الجانب المتعلّق منه برئاسة الجمهورية المقبلة. أمّا خامس الأمور وآخرها فهو بقاء الحريري رئيس حكومة من الآن وحتّى نهاية عهد عون ومن بداية عهد باسيل وحتّى نهاية سنواته الست.

لماذا أفشلت هذه التسوية أو فشلت بعدما قطعت أشواطاً مُهمّة؟ لأسباب عدّة أوّلها وأهمّها أنّ تشاوراً حصل في هذا الأمر بين الرئيس الحريري وأحد أبرز أعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين #فؤاد السنيورة رفيق والده الشهيد منذ بداية مسيرته الإعماريّة – السياسيّة وحتّى انتهائه بالاغتيال، وخلفه في تولّي زمام الحريريّة التي تركها عبر “تيّار المستقبل”، وكذلك عبر ترؤسه الحكومة مرّة أو ربّما مرّتين ممثّلاً لها. وكانت نتيجته سلبيّة إذ رفض السنيورة هذه التسوية واعتبرها انتصاراً لعون وتيّاره ولباسيل و”حزب الله” على الحريري الشهيد وعلى ابنه ووريثه في السياسة أي على الحريريّة السُنيّة وعلى الحريريّة المُتمسّكة باتفاق الطائف وبرعاية المملكة العربيّة السعوديّة له وبالميثاق الوطني والدولة العربيّة المُستقلّة الرافضة أن تكون جزءاً من أي محور يستهدف المُسلّمات المذكورة كلّها. ورافقت رفض السنيورة “إشارة” إلى أنّ الشارع السُنّي سيرفض صيغة كهذه أو اتفاقاً وسيتحرَّك في الشارع وفي السياسة وسيحظى بتغطية سياسيّة وعلمائيّة شعبيّة سُنيّة شبه شاملة وبتغطية أخرى وطنيّة.

طبعاً لا يمكن تحميل السنيورة و”السُنّة” مسؤوليّة تعثُّر اتفاق باسيل – الحريري إذا صحَّ رغم تأكيد مرجعٍ سياسي من غير معسكر الحريري صحّته. فالتحليل هنا وليس المعلومات يُرجِّح عدم ارتياح الرئيس عون لهذه الصفقة لعدم ثقته بالحريري، وربّما لحرصه على أن يُفهِم الذين ظنّوا من زمان أنّ قراره صار في يدّ باسيل أنّه لا يزال صاحب القرار وأنّ لا شريك له فيه. علماً أنّ ذلك لم يعنِ يوماً ولن يعني تخلّي عون عنه. في النهاية لم يكن “الموقف هذا النهار” لينشر هذا التحليل المعلوماتي اليوم لو لم يجرِ تقاطعاً معلوماتيّاً مع جهة واسعة الاطلاع وذات موقع رغم كونها جزءاً من الاصطفافات السياسيّة والشعبيّة والمذهبيّة الحادّة في البلاد. ومن عنده معلومات ثابتة من مرجعيّات موثوقة مُناقضة لهذا التحليل المعلوماتي فإنّ “الموقف هذا النهار” مُستعدٌّ لنشرها.