عون و”حزب الله” يديران الفراغ… ولبنان ينزلق نحو فوضى كيانية

ابراهيم حيدر – النهار

السيناريوات التي تُرسم للمرحلة المقبلة، بدأت تظهر ملامحها منذ أن قرر #سعد الحريري الاعتذار عن التأليف. الاجواء السياسية في البلد لا تشير إلى إمكان تكليف شخصية جديدة وتشكيل الحكومة في وقت سريع، على الرغم من أن رئيس الجمهورية #ميشال عون ملزم بالدعوة الى اجراء استشارات نيابية لتكليف رئيس جديد. لكن الامور تبدو في غاية التعقيد، إذ أن عون ليس مستعجلاً وفق مصدر سياسي متابع وهو يعرف أن اي تكليف جديد وفق شروطه للتشكيل لن يحظى بتغطية سياسية عامة خصوصاً ضمن البيئة السنية. ذلك أن سعد الحريري اعتذر وكان حاسماً في رفضه المشاركة في الاستشارات النيابية والاتفاق على تسمية رئيس بديل. اعتذر الحريري ورمى الكرة في وجه التحالف الحاكم اي رئيس الجمهورية وتياره و”#حزب الله” وهو لا يريد تأمين الدعم لحكومة تحظى بدعم “حزب الله” ومحسوبة على عون، إذ أن الأخير يريد حكومة يستطيع من خلالها تمرير أجندته والهيمنة عليها والتحكم بالقرار وممارسة صلاحيات أمر واقع تكرست عبر أعراف وتقاليد فُرضت برعاية الحزب نفسه، إلى أن جاءت حكومة حسان دياب التابعة لمحور الممانعة قلباً وقالباً وهذا ما أكدته سياستها وحتى عندما اصبحت حكومة تصريف أعمال.




الصورة تعكس مشهداً سوداوياً. أوساط سياسية متابعة تشير إلى أن البلد دخل في مرحلة صعبة لن يكون الخروج منها سهلاً، وصار بمثابة بلد منكوب، فالتوقعات هو أن الفراغ سيمتد طويلاً بسبب الصراع بين قوى أساسية على السلطة، أبرزها اليوم بين ميشال عون و#نبيه بري الذي اعتبر وفق مصدر سياسي أن رفض رئيس الجمهورية لتشكيلة الحريري الاخيرة والتي أخذ بالاعتبار فيها مطالب عون، كان بمثابة تصفية حسابات مع رئيس مجلس النواب ومع الحريري أيضاً، الامر الذي يفتح البلد على كل الاحتمالات، ولا يؤدي إلى إخراج تسوية جديدة، طالما أن كل التسهيلات قدمت وتم رفضها من عون وصهره رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

المشكلة اليوم لم تعد تقتصر على مجرد اقتراح أسماء للتكليف، فهي باتت تتعلق بهوية الحكومة وأي شخصية ستتراسها لا تحظى بالتغطية السياسية والطائفية لن تكون قادرة على التشكيل، وأيضاً من سيقرر في شأنها، ومن هو صاحب قرارها في ظل الصراع القائم والحسابات الداخلية والاقليمية، حيث يبرز موقف “حزب الله” الذي يبدو أنه سيكون المقرر الأساسي للمرحلة المقبلة ولما تبقى من عهد ميشال عون. وكان لافتاً الموقف الذي أعلنه الحريري ضد “الحزب” في مقابلته الاخيرة، إذ يحمّله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأوضاع في لبنان وعن الموقف المتصلب لعون في الملف الحكومي، انطلاقاً من علاقته بالتيار وتغطيته جبران باسيل، إضافة إلى أن حساباته للبلد وللحكومة لها أبعاد إقليمية. وعلى هذا قرر الحريري عدم المشاركة في الاستشارات، أولاً، لعدم اعطاء عون مبررات لتكريس وقائع جديدة في الحكم ينتزع من خلالها صلاحيات إضافية، وكذلك لا يريد أن يكون جزءاً من حكومة إذا تشكلت لاحقاً، تحت رعاية “حزب الله”.

بعد خروج الحريري من المشهد الحكومي، ستتمركز كل الصلاحيات بيد عون كأمر واقع، وستكون الأولوية لجم طموحه إلى كسر القواعد التي ارتكزت إليها الصيغة اللبنانية. فالرئيس ميشال عون اعتبر أن الاعتذار هو بمثابة انتصار وقد يندفع أكثر إلى تكريس صلاحيات الأمر الواقع في غياب رئيس حكومة قوي قادر على اتخاذ القرارات، وهو في الأصل عمل على اضعاف موقع الرئاسة الثالثة أي رئاسة الحكومة، ومنع انتاج تسوية داخلية، وخاض معركة لانتزاع مكاسب سياسية وطائفية، لما تبقى من العهد، ولاستعادة بعض شرعيته المتهالكة، وحاول أن يسحب أيضاً من صلاحيات مجلس النواب وتفسير الدستور بالطريقة التي يراها مناسبة لموقعه وتياره السياسي. ولهذا يحاول عون راهناً انتزاع موقف واضح من “حزب الله” إلى جانبه، فهو الذي غطاه سياسياً داخلياً وفي السلطة، وعلى الصعيد المسيحي، وأيضاً في مشاريعه الإقليمية والخارجية. لكن “الحزب” يبدو أن لديه حسابات أوسع، فأن يكون خلال مرحلة الشد والجذب حول الحكومة لم يضغط على عون وحافظ على علاقته ببري، فإنه اليوم لن يمارس الضغط لتشكيل حكومة ستكون محسوبة عليه بالكامل ويفضّل إبقاء الوضع على حاله لحماية دوره ومصالحه.

الوضع الراهن والفراغ لا يهددان موقع “حزب الله” ولا مصالحه ومشروعه، وهو ليس مستعجلاً طالما لم يتم التوصل إلى تسوية إقليمية ولم تحسم مفاوضات النووي الإيراني – الاميركي الوجهة التي سيتم على أساسها الاتفاق حول ملفات المنطقة ومنها لبنان. وانطلاقاً من ذلك يبدو الحزب مرتاحاً طالما أن الجميع ينتظر موقفه، ولا أخطار خارجية تتهدده والجميع يخاف من فائض قوته ولا أحد يستطيع أن يجره الى مواجهة داخلية. وعلى هذا الأساس يتركز الاهتمام على الاستحقاقات المقبلة أكثر من تشكيل الحكومة، خصوصاً الانتخابات النيابية، فـ”حزب الله” يركز على إدارة عملية الانتخابات داخل البيئات الطائفية الاخرى، لا سيما في الساحة المسيحية ويسعى الى توفير الدعم الكبير للتيار العوني، وهو قادر على إدارة اللعبة ومتحكم بها انطلاقاً من حسمه الامور في الساحة الشيعية، فإذا لم تُشكل حكومة يبقى في موقع بعيد عن المواجهة المباشرة، وهو يحاول تحنب اعطاء رأي مباشر باسم لترؤس الحكومة كي لا يكرر تجربة حكومة حسان دياب، وان كانت هذه الحكومة خدمته في مشروعه إلى حدود قصوى.

في البحث الحكومي ومسألة الاستشارات سيبقى “حزب الله” خارج الصورة، كي لا تنتقل المواجهة معه إلى مستوى داخلي جديد، وتركيز الانظار على مشروعه، فإذا بقيت المعركة بين “تيار المسقبل” والتيار العوني، يمكن لـ”الحزب” أن يبقى خارج المواجهة، خصوصاً إذا جرى تفعيل حكومة تصريف الاعمال. لكن الخوف يكمن في إقحام البلد في أزمة مفتوحة تتجاوز الاتفاق على البديل لخلافة الحريري. ووفق سياسي متابع، يبدو أن قوى سياسية في البلد، تفضل أن يبقى الوضع على ما هو عليه، خصوصاً “حزب الله” الذي يحصن وضعه ولا مشكلة داخل بيئته. فيما لبنان ينزلق نحو فوضى كيانية من الأشد خطورة في تاريخه!