جهاد الزين - النهار

عودة إلى مَوْتَيْن: لبنان وهونغ كونغ – جهاد الزين – النهار

هناك شيء بل أشياء تشدّ إلى الصلة بين “الموت” اللبناني و “موت” هونغ كونغ الجزيرة التي استعادتها الصين من بريطانيا عام 1997 على أساس اتفاق يحافظ على التقاليد الديموقراطية للمستعمرة السابقة ولكنه يُخضعها للسيادة الصينية ضمن معادلة “سيادة واحدة ونظامان سياسيان”.

كان الوضع الجديد لهونغ كونغ هو إحدى بدايات القرن الحادي والعشرين. أحد مداخله بما هو قرن “الصين تنهض” الشعار الرسمي للحزب الشيوعي الصيني الذي ظهر هذا العام بقوة في وسائل إعلام السلطة في بيكين. كل العالم يتحدث عن نهوض الصين منذ عقدين لكن السلطة الصينية حين تقرر التباهي بالنهوض، وهي محقة طبعا، فمعنى الأمر أن العلاقات الدولية يجب حسبانها بطريقة مختلفة.




ها نحن نقترب من نهاية الربع االأول من هذا القرن وهونغ كونغ تواجه مصيرا غامضاً على المدى الأبعد. هونغ كونغ العروس المالية الناجحة أو إحدى عريسات النظام المالي الدولي ( المركز الرابع) هل تستطيع الاستمرار وهو سؤال مزدوج:

هل تستطيع الاستمرار في تقاليدها الديموقراطية المفترض أن الصين تعهدت بالحفاظ عليها؟
هل تستطيع الاستمرار كمركز مالي عالمي وقد بدأت إثر الاضطرابات الأخيرة بوادر انسحابات مؤسسات مالية منها إلى أمكنة أخرى في العالم ناهيك عن هجرة متزايدة لكفاءاتها إلى سينغافورة رصدتها وسائل إعلام أميركية؟

سبق لي أن توقفت عند “الموتين” اللبناني والهونغْ كونغي. قد يكون “الموت” اللبناني مؤقتاً على المستوى التاريخي لكن التدجين الصيني لهونغْ كونغ قد يكون على الأرجح دائما. أقصد على المستوى السياسي.

لبنان ينهار اقتصاديا وسط انهيارات تصيب دولا مجاورة هي سوريا والعراق يسيِّجها كلها، لبنان وجارتيه، في هذه المرحلة أنها منطقة نفوذ إيراني.
هونغ كونغ تنتمي إلى قدَر مختلف هو أنها إحدى نقاط ظهور إمبراطورية صينية قوية صاعدة بينما العالم الذي “يموت” فيه لبنان هو عالم شرق أوسطي متداعٍ في أجزاء عديدة منه ويجاور إسرائيل الدولة التي لا شبيه لها في العالم: صغيرة وعظمى، عنصرية وديموقراطية، تقيم نظاما للتمييز العنصري الوحيد الباقي في العالم كبنية قانونية عسكرية تضطهد شعبا آخر هو الشعب الفلسطيني، وفي الوقت نفسه وبدعم بنيوي أميركي تنتمي إلى المنظومة العلمية الأقوى في العالم.

سمة المنطقة رغم التوسع الإيراني والتوسع التركي هي الصعود الإسرائيلي. بين هذا المثلث المتصارع الأضلاع لا تهتز منطقتنا فحسب بل تتداعى. لكن “تناغماً” مدهشا بين هذه الحقيقة الجيوسياسية وبين فساد طبقة سياسية محلية يكاد يقضي على المناعة اللبنانية إن لم يكن قد قضى عليها.

هونغ كونغ مركز متقدم مالياً على المستوى الدولي. والمفارقة أن الحداثة التكنولوجية فيها باتت لاتقارَن مع التخلف اللبناني المتراكم. كذلك لدى هونغ كونغ تاريخيا تجربة رائدة في مكافحة الفساد. ويمكننا أن نتصور أي تلازم معقّد ينوجد في مركز مالي عالمي بين الفساد والنمط الحياتي للمجتمع. نجحت تجربة مكافحة الفساد في هونغ كونغ قبل استعادة الصين للجزيرة عندما أنشئت هيئة وطنية لمكافحة الفساد منذ السبعينات.

“يموت” لبنان في أسوأ أيام سمعته الفسادية بينما قد “تموت” هونغ كونغ في أسوأ أيام السمعة الصينية اللا ديموقراطية ولكن بالمقابل أثارت هونغ كونغ إعجاب العالم من حيث ما أظهره العديد من نخبها الاجتماعية والسياسية ووسائل الإعلام من طاقة على المواجهة.

لكن المشترك بين الحالتين هو ظهور جيل شبابي طليعي في هونغ كونغ وفي لبنان يحاول المواجهة، في هونغ كونغ للحفاظ على الحريات السياسية وفي لبنان، ضد المنظومة السياسية الحاكمة.

ربما كان علينا أن نراقب قطاعين بصورة خاصة في كل من #لبنان وهونغ كونغ خلال هذا “الموت” الجاري. في الجزيرة الصينية كيفية مقاومة القطاع المالي، قطاع الخدمات المالية من شركات ومصارف، وفي لبنان كيفية مقاومة القطاع التعليمي أي الجامعات الخاصة الأساسية والمدارس الخاصة النخبوية الإرسالية والدينية بتعددها التاريخي.

في القطاع التعليمي سيتقرر مصير التميّز اللبناني في قطاعات عديدة بينها القطاع الآخر المهم وهو القطاع الاستشفائي المرتبط نوعيا بالقطاع التعليمي منذ بات لكل جامعة كبيرة مستشفاها الذي يحتضن كلية الطب فيها. أما القطاع المصرفي اللبناني فيعيش أيامه الأخيرة ومعه يحتضر الدور اللبناني كمركز مالي.

هذا القطاع المصرفي مات عمليا وعلينا انتظار إصلاحات وجيل جديد كي نرى هل يمكن بعد للتنوع اللبناني كفضاء ليبرالي سياسيا واجتماعيا في نظام جديد أن ينتج قطاعا مصرفيا ذا دور إقليمي؟ وكيف سيكون للنخب الدياسبورية الجديدة أن تساهم في عملية الإحياء من ضمن سياق الإحياء السياسي؟