باريس أبلغت مَن يعنيهم الأمر: جادّون في الحيلولة دون انزلاق لبنان إلى الفراغ

ابراهيم بيرم – النهار

لا شك في أن ثمة متسعاً من الوقت أمام كل الذين سيُدرجون اعتذار الرئيس سعد الحريري في خانة “#الدخول في المجهول” والتدحرج نحو الاحتمالات السوداوية وقاعها الانهيار الشامل.




ولا شك ايضا في انه سيكون امامهم ايضا متسع من الوقت ليرموا كرة المسؤولية في اتجاه طرف من طرفَي التأليف، فيسارع بعضهم الى تحميل موقع الرئاسة الاولى التبعة بذريعة “انها عملت المستحيل لتصعيب مهمة الرئيس الحريري وتعويقها توطئة لاخراجه”، فيما سيجد قسم آخر الفرصة لكي ينظر بعين الريبة الى الرئيس المكلف “الذي تلكأ وماطل واختار من الاساس ان يطلق قفاز التحدي في وجه العهد وفريقه”.

ومن البديهي ان بين هذا المعسكر وذاك سينبري خصوم “حزب الله” الى تأييد وجهة نظر الحريري بتحميل الحزب الجزء الاساس من المسؤولية لانه مضى قدماً في مؤازرة حليفه “التيار البرتقالي” فمضى الاخير في تعنته.

وبالتأكيد سنحت الفرصة ايضا وايضا للذين اراحوا انفسهم من عناء التمحيص والتحليل واسقطوا على مشهد الاستعصاء والتعقيد وصفة جاهزة، وهي ان الازمة “ازمة نظام” شاخ وفقد قدرته على التكيف وتجاوز الازمات.

ولقد كان لافتا في هذا المجال ان يبادر رئيس مجلس النواب نبيه بري الى الانضمام الى قافلة المتبنّين لهذا التشخيص (ازمة النظام) الصالح والجاهز لكل زمان ومكان. وهو تشخيص يثير حساسية الرئيس فؤاد السنيورة فيعلن معارضته له لانه (السنيورة) يجد العلة في فقدان الالتزام بمندرجات الطائف وجموح البعض نحو “قضم” الصلاحيات التي انتهت الى يد الرئاسة الثالثة بموجب الاتفاق المبرم عام 1989.

وسط كل ذلك ثمة من ينبري ليعتبر ان المرحلة وسطية انتقالية او معبر الى المنازلة في “أمّ المعارك” المرتقبة وهي الانتخابات النيابية المحددة مبدئيا في أيار المقبل، وهي الانتخابات التي يعدّ كل طرف عدّته لخوض غمارها بهدف اساس هو الاطاحة بالاكثرية الحالية في مجلس النواب وإعادة الغالبية المريحة الى يد “تيار المستقبل” ومَن والاه ودخل في بيته ليكون آمنا.

ربما في كل واحدة من هذه القراءات يكمن جزء من الصورة ويشفي ايضا غليل الذين لم يعد عندهم خيار آخر للثأر واسترداد ما فقدوه من مُلك سياسي إلا باقصاء الاكثرية الحالية وتقويم ما اعوجّ من سلوك الحكم.

لكن ذلك، على بلاغته، ربما صاركتابة من خارج النص وخروجا على الموضوع الاهم وهو: هل ما زالت البلاد تملك الفرصة لاستيلاد حكومة تؤول رئاستها الى غير يد الحريرية السياسية زعيما او مَن يسمّونه لهذه المهمة؟ واستطرادا مَن هي الجهة الدولية المخوّلة الرعاية والوصاية والاشراف؟

الاجابة عن هذه التساؤلات تكاد تنحصر في ثلاثة احتمالات:
– ان ثمة فرصة ما زالت سانحة لحكومة تتولى رعاية الوضع حتى موعد الانتخابات المقبلة.

– ان فريق الحريري بما له من دالة ووزن في شارعه وفي الساحة اللبنانية قد نجح وفق تقديرات في إيصاد الطريق امام اي كان يجرؤ على تقديم اوراق اعتماد ليكون نجم السرايا في المرحلة المقبلة، لان حسابات هذا الفريق باتت تتمحور على امر واحد هو مقاطعة العهد وتعريته من اي غطاء سنّي خدمة لأمّ المعارك.
– استتباعا لذلك يرد الخيار الثالث وهو ان حكومة حسان دياب، ضمن مواصفاتها الحالية، ستكون رفيقة العهد الى ما بعد الانتخابات وستتولى ادارة الفوضى وحراسة الفراغ “الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا”.

بالطبع ثمة مكان لخيار رابع لدى اوساط على صلة وثيقة بالعهد وبـ “حزب الله”، ومفتاح الولوج اليه هو ان فرنسا عائدة بكل ما اوتيت من زخم لبعث الروح في المبادرة التي حملها رئيسها ماكرون في زيارته الثانية الى بيروت بُعيد انفجار المرفأ، والتي مدخلها الالزامي حكومة اختصاصيين، وانها استطرادا آتية هذه المرة لتنجح بقوة.

ولا شك في ان السؤال المطروح في مقابل هذا الاستنتاج هو: ما العامل المستجد الذي يؤمّن فرصة النجاح لمبادرة يقارب عمر اطلاقها العام وتواكبها ضغوط شتى؟
يعدّ الصحافيان الفرنسيان المتخصصان بالشأن اللبناني وشؤون المنطقة جورج مالبرونو وكريستيان شينوا منذ فترة كتابا وافيا عن مبادرة بلادهما من موقع المواكب تماما لمسيرة هذه المبادرة مذ كانت فكرة جنينية الى حيث اخذت طريقها نحو الولادة وإبصار النور.

وبالطبع يتضمن هذا الكتاب الذي هو قيد الإعداد فصولا عن أبعاد هذه المبادرة ومقاصدها واين اخطأ مطلقها (ماكرون) واين اصاب، ولماذا تباطأ إنفاذها حتى خُيّل انها قد ازهقت؟ واستطرادا عن تطور نظرة باريس الى الطبقة السياسية اللبنانية بعدما بادرت (باريس) الى تقريعها وتأنيبها بل وشيطنتها علانية بعدما حمّلتها مسؤولية الانهيار بفعل سوء ادائها وادارتها وفسادها وجموحها البلا حدود نحو الامساك بالسلطة والقبض على مغانمها.

وبحسب ما أبلغ مؤلفا الكتاب زملاءهما واصدقاءهما اللبنانيين، فان امر إعداد هذا الكتاب والاستعداد لطباعته وتوزيعه في القريب العاجل ليس له صلة بحشرية البحث والنشر والسبق الصحافي فحسب، بقدر ما هو تعزيز لفكرة ان هذه المبادرة لم تذوِ ولم تخلِ الميدان وانها ما برحت ارضية صالحة لحل متوازن يخرج لبنان من ازماته.

ولاريب ان ما يمكن ان يشير اليه الصحافيان في كتابهما ان من العوامل التي يمكن ان تشكل حبل السرّة الذي يغذي المبادرة اياها تتأتى من:
ان أي جهة اقليمية او دولية لا تضمر رغبة في اطلاق مبادرة اخرى منافسة او متممة، لذا فأهميتها الاولى تأتي من حصريتها.
ان الذين امكنهم سابقا ان يجوّفوا المبادرة ويتلاعبوا بها قد انكفأوا بعدما اخذوا حظهم من التجريب.

– ان المبادرة بحد ذاتها اطروحة حل متكامل للاصلاح الاداري والمالي والسياسي في لبنان، ومن النادر ان يؤتى بمثلها او باحسن منها.
ان المبادرة تأخذ في الاعتبار كل معادلات الوضع اللبناني كما هي وتعترف بها، وهو ما قاد مطلقيها الى الحرص على هذا الانفتاح على “حزب الله”.
دليل آخر على ان باريس قد ولجت مرحلة البحث في مرحلة ما بعد عزوف الحريري، هو ان موفدها الى بيروت وصل وقام بجولته في اليوم الذي كان الحريري يعلن دنوّه من العزوف.

وبحسب معلومات رشحت فان الذين التقوا الموفد اياه فهموا منه ان عاصمته تختزن في صدرها اسمين مرشحين لتأليف الحكومة الموعودة والشروع بتنفيذ ورقتها الاصلاحية.

دليل اضافي هو ان باريس اعلنت اول من امس عزمها على تنظيم مؤتمر دعم للبنان بعد مؤتمرها الحاشد لدعم الجيش اللبناني.
باختصار يستشعر الذين قابلوا الفرنسيين اخيرا ان باريس ليست في وارد ترك بيروت لقدرها الظالم، بل انها ماضية في قرارها بإعادة استنهاض هذا البلد من كبوته، وان الفرصة لم تفت بعد.