أي قيمة للإستشارات بعدما أطاحها عون؟

روزانا بومنصف – النهار

تبدو الاستشارات النيابية الملزمة التي قال بيان قصر بعبدا ان رئيس الجمهورية سيدعو اليها ورقة تين يابسة وضحلة لا تستر عورة تجاوز ما نص عليه الدستور من حيث المبدأ بعدما وضع ميشال عون نتيجة الاستشارات السابقة في سلة المهملات وحاربها طيلة تسعة اشهر حتى تحقيق مراده. المفزع ان لا رد فعل نيابيا ولا حزبيا او حتى طائفيا على هذا المنحى فيما لا يتم اقصاء الحريري فحسب بل يتم تدمير اتفاق الطائف ، على نحو يعزز اقتناعات بان هذا هو الهدف منذ الاساس وفق سيناريو تعطيل معهود ومدروس ويعول ان يلعبه عون وفريقه كما فعل في كل مرة .




ليس سهلا على الارجح على رئيس مجلس النواب نبيه بري ان يبلع ذلك فيما يبقى مضطرا الى التعاون مع رئيس للجمهورية وهو يعلم جيداً ما يحصل من تجاوزات من بعبدا للدستور. اذ حين يتفق عون مع ” حزب الله” على شخص سني يستنبطه ويفرضه على الطائفة السنية وفقاً لاختياره تماماً كما فعل في اختيار حسان دياب ليس من داع لأي استشارات يقع الخارج ضحيتها بسهولة على قاعدة ان استشارات تحصل فعلاً لا بل يدعو اليها. فحين يبدو المشهد السياسي اللبناني بأي سيناريو كان بتفاصيل غدت غير مهمة، استكمالا لمشهد التسلط وتكسير الطائفة السنية كما حصل في العراق وفي سوريا، يتضح اكثر مأل الامور حتى لو اضحى الدولار الاميركي يساوي مليون ليرة لبنانية. المشهد المخيف على خلفية خروج عون من معركة استمرت لتسعة اشهر وانتهت بانتصاره بتطيير سعد الحريري ان البلد بات مضرجا بدماء ابنائه ويحتضر شأنه شأن القوى السياسية التي تفرجت طويلا على كباش كاد يصل الى حدود الفتنة المسيحية السنية ويخشى ان المجال لا يزال مفتوحا لذلك، وكأنما كانوا في انتظار حسم المعركة لكي يعرفوا اتجاهات الرياح الاقليمية والدولية ويقيموا حساباتهم وفقا لهذه الاتجاهات.

هل انتصار عون هو انتصار داخلي او هو انتصار اقليمي محوري اي يتصل بايران وسوريا وكيف سيترجمه في حال استطاع لذلك سبيلاً في ظل انهيار لن يقف حائلاً دون اتهامه بمسؤوليته عنه لا الحريري ولا سواه ما دام الحكم في لبنان اصبح رئاسياً. وهل كان يريد “حزب الله” تأليف حكومة في لبنان فعلاً؟ هذه الاستنتاجات لا تبدو بعيدة عن الاستخلاصات المباشرة لنتائج الكباش حول الحكومة فيما تكبر الاسئلة حول مسؤولية الدول الخليجية في شكل خاص إزاء خسارتها لبنان بعد خسارتها كل من العراق وسوريا للمحور الايراني الذي سبق ان نجح ان اخترع حكومات في تجارب سابقة لم تساهم سوى في اغراق لبنان ودفعه الى الانهيار اكثر. فهذه المعركة من حيث كان ” حزب الله” في الواجهة ام لم يكن مماثلة كليا للاحتجاب او الانكفاء الذي اظهره في معركة الفراغ الرئاسي لمدة عامين ونصف حتى النجاح في تأمين وصول عون الى الرئاسة .

وهي المقاربة نفسها التي اعتمدها في خلال الاشهر التسعة الاخيرة في الوقت الذي سيحصد هو ايضا الانتصار ” العوني” من خلال توظيفه لمصلحته في حكومة تشبهه اكثر مع حلفائه وتؤمن استمرار امساكه بالبلد وخناقه، في حال استطاع لذلك سبيلا. فالواجهة العونية كانت دوما موجودة من اجل ذلك منذ ما بعد 2006 في 7 ايار 2008 وفي اسقاط حكومة الحريري في 2011 من الرابية. ففي تلك المراحل كلها هرع المجتمع الدولي الى انجاز تسويات لم تؤد الا الى تسليم البلد اكثر فاكثر الى المحور الايراني ويخشى ان الوضع راهنا لن يختلف في ظل الانهيار الذي افقر الناس وساهم في تجويعهم وفي ظل افلاس الطبقة السياسية التي لم تعد تملك شيئا لتقديمه للناس باستثناء المقدار اليسير من الضمان الغذائي لمناصريهم او بيئتهم.

هناك مشكلة مارونية عميقة وليس مسيحية فحسب في خلفية كل هذا المشهد وهي تتمثل في ارغام اللبنانيين على معايشة رؤساء لم يعد البلد يتحمل رئاستهم بحيث تغدو مكلفة على كل الصعد. حصل ذلك في السابق مرارا وتكرارا وحصل حديثا مع اميل لحود والان مع ميشال عون فيما يلفظ لبنان الحضارة والازدهارانفاسه . فمع كل مرحلة موجة هجرة مسيحية لا تبقي ولا تذر على خلفية صراعات يشكل رؤساء الجمهورية غالبا واجهتها علما ان الرئاسة الاولى بعد اتفاق الطائف غدت مرتبطة بارادة النظام السوري ولاحقا به وبايران كذلك على نحو مؤلم جدا لكل التضحيات والمعاناة التي عايشها اللبنانيون على مدى اعوام الحرب.. لو قيض للمسيحيين كما لسائر اللبنانيين من الطبقة الوسطى استرجاع او تحرير اموالهم من المصارف لما بقي احد منهم في لبنان فيما ان المأساة، كل المأساة، لا تزال هي نفسها منذ ثلاثين سنة مع المسؤولين انفسهم وصراعاتهم لا سيما بين المسيحيين في فصول جديدة يتوقع ان تستعر اكثر في الاشهر المقبلة.

فالمسيحيون باتوا يتراجعون حين لم يسمحوا بانتاج قيادات جديدة مستقلة ومسؤولة ومنفصلة عن الام الماضي. وقد لا يرضى الزعماء المسيحيون اذا عرفوا ان ثمة حاجة لقادة من خارجهم ولعل ذلك يجب ان يبدأ برئيس للجمهورية منفتح ودستوري وقادر على معالجة الازمة الاقتصادية بدلا من جيش المستشارين والذي لا جدوى منه. وتبرز في شكل خاص اسماء بعض الشخصيات المقتدرة . فاللبنانيون جميعا في حاجة الى مساحة تنفس بعيدا من التسييس الى مرحلة انهاض لبنان. ولعل البدء بانتخابات رئاسية مسبقة كما حصل ابان الرئيس سليمان فرنجيه تشكل مخرجا لان البلد لا يستطيع انتظار انتهاء عهد ميشال عون ولا المزيد منه فيما يشكل هو جزءا كبيرا من المشكلة في البلد لا سيما اذا كان الهدف هو تغيير كيان لبنان وصيغته كما تخوف سابقا سيد بكركي.