وباء اللامُبالاة – المطران كيرلس بسترس – النهار

إنّ قداسة البابا فرنسيس، في كتابه الأخير الذي ظهر بالإنكليزيّة بعنوان: “دعنا نحلم. الطريق إلى مستقبَل أفضَل”(1)، وفي ترجمةٍ فرنسيّةٍ بعنوان: “وقتٌ للتغيير”(2)، يتكلّم على “فيروس اللامبالاة”(3). فيقول: “في أوقات الأزمة، هناك الصالح وهناك الرديء: وينكشف الناس كما هم عليه. فالبعض يتفانون في خدمة المحتاجين، والبعض الآخر يغتنون على بؤس الناس. البعض يذهبون للقاء الآخرين – بطريقةٍ جديدةٍ وخلاّقةٍ دون مغادرة بيوتهم – فيما آخرون يُغلِقون على أنفسهم وراء أسوار بيوتهم. بهذا تنكشف حقيقة القلوب. إنّ هذه الأزمة يمكنها أن تجعلنا أفضل أو أسوأ ممّا كنّا عليه”.

وفي هذا السياق يتكلّم على “وباء اللامبالاة”. فيقول “إنّ أزمة وباء الكوفيد قد كشفت الوباء الآخر، ’وباء اللامبالاة‘. وأصل هذا الوباء يكمن في أنّ الإنسان ينظر دومًا إلى الجهة الأخرى، فيقول: بما أنْ لا وجود لحلٍّ سحريٍّ أو مباشر، فمن الأفضل أن لا نشعر بشيء. وهذا ما يتبيّن في مثل الفقير لعازر في إنجيل لوقا. فقد كان له جارٌ غنيّ، وكان يعرف تمام المعرفة من هو لعازر، وحتى كان يعرفه باسمه، لكنّه كان لامباليًا. بالنسبة إلى الغنيّ كانت مأساة لعازر مشكلته الخاصّة.




فكان، كلّما كان يمرّ أمام بابه، يقول عنه “مسكين!”، ناظرًا إليه في كثيرٍ من اللامبالاة. كان على علمٍ بحياة لعازر ولكنّ ذلك لم يؤثِّرْ فيه. ما يخلق انقطاعًا بين شعورنا باللامبالاة من جهة وأفكارنا من جهة أخرى. في النهاية، يحكم الناس عن الأوضاع دون إحساس، فلا يستطيعون أن يضعوا أنفسَهم موضع الآخرين”، بل يكتفون بالقول: “هذا لا يعنيني”. ثمّ يُضيف قداسته: “إنّ اللامبالاة تسدّ طريق الروح، وتمنع الانفتاح على الإمكانيّات التي يمكن أن يوفّرها لنا الله. اللامبالاة لا تسمح لكَ بالشعور بحركات الروح التي لا بدّ لهذه الأزمة من أن تُثيرَها في قلبنا. الشخص اللامبالي هو منغلِقٌ على كلّ تجديدٍ يقدّمه لنا الله” (ص 87).
في هذه الأزمة التي يمرّ بها لبنان اليوم على مختلف الأصعدة الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، والتي أصبح فيها معظم اللبنانيّين يعيشون في الفقر، والمرضى منهم يبحثون يائسين عمّا هم بحاجة إليه من دواء، نرى المسؤولين ينظرون بلامبالاةٍ إلى حالة الشعب ويكتفون بالقول: “مسكين هذا الشعب!” وبدل أن يعملوا على إيجاد الحلول لهذه الأزمات، يستفيدون من هذه الأوضاع لتحسين مواقفهم السياسيّة، ويتقاتلون على ما يُمكن أن يعود لكلّ منهم من حصصٍ في هذه الدولة التي أفرغوها من خيراتها.

إنّ خطيئة اللامبالاة تحتلّ الحيّز الأكبر في يوم الدينونة. ففي ذلك اليوم سوف يقول الديّان للأنانيّين اللامبالين: “’اذهبوا عنّي، أيّها الملاعين، إلى النار الأبديّة المُعَدَّة لإبليس وملائكته. لأنّي جُعتُ فلم تُطعموني وعطشتُ فلم تَسقوني، كنتُ غريبًا فلم تُؤوني وعريانًا فلم تَكسوني، وكنتُ مريضًا ومحبوسًا فلم تزوروني‘. حينئذ يُجيبون هم أيضًا ويقولون: ’يا ربّ، متى رأيناكَ جائعًا أو عطشانًا، غريبًا أو عريانًا، مريضًا أو محبوسًا ولم نخدمكَ؟‘ حينئذٍ يُجيبهم قائلاً: ’الحقّ أقول لكم إنّكم كلّ مرّةٍ لم تصنعوا ذلك إلى أحد هؤلاء الصغار فإليّ لم تصنعوه‘” (متى 41:25-45). هذه هي قيمةُ الإنسان في نظر السيّد المسيح. فالإنسان هو صورة الله، لذلك كلّ ما نصنعه لأيّ إنسان إنّما نصنعه لله نفسه.

إنّ هؤلاء المسؤولين اللامبالين يعرفهم الشعب، ولا بدّ من أن يأتي يوم ويحكم عليهم. وإن نجوا من حكم الشعب فلن ينجوا من حكم الديّان العادل. فالله سوف “يجازي كلّ واحدٍ بحسب أعماله” (رومة 6:2). وأيّ عملٍ يقوم به الإنسان، حتى أصغر الأعمال، تمتدّ نتائجه إلى حياة الدهر الآتي. فيقول السيّد المسيح: “من سقى أحد هؤلاء الصغار ولو كأسَ ماءٍ بارد، لكونه تلميذًا، فالحقّ أقول لكم إنّ أجره لا يضيع” (متى 42:10). هذا من جهة عمل الخير. ويقول من جهة أخرى: “إنّ كلّ كلمةٍ باطلةٍ يقولها الناس سوف يؤدّون عنها حسابًا في يوم الدين. لأنّكَ بكلامكَ تتبرَّأ وبكلامكَ يُحكَم عليكَ” (متى 36:12). كم من كلمةٍ باطلة يقولها الناس بعضهم لبعض في اليوم الواحد! وكم من كلمةٍ باطلةٍ نسمع السياسيّين وأتباع الأحزاب يتراشقون بها كلّ يوم. ففي هذه الأزمة التي تطال الجميع حريّ بهم، بدل أن يتّهموا بعضهم بعضًا ويشتموا بعضُهم بعضهم – وهذه علامة ضعفٍ، فمَنْ لا حلّ عنده يستعيض عن عجزه بالتهجّم على الآخرين – حريّ بهم أن يعودوا بتواضعٍ بعضهم إلى بعض ليبحثوا معًا عن الحلول التي يمكن أن تُنقِذ الوطن من الأزمة التي يتخبّط فيها. والحلول ممكنة إذا قبل الجميع أن يتخلّوا عن مصالحهم الخاصّة وينظروا فقط إلى مصلحة الوطن.