..وبينما حاوَرت مريم سَعداً

في ذلك الممرّ الفضائي الذي كاد يوقظ سالفادور دالي في قبره، اجتمع الرئيس المعتذر سعد الحريري مع إعلامية السجع والقفشات المقفّاة. منذ اللحظة الأولى، ودخولهما من باب القصر، نفثت المُحاوِرة في وجوهنا تقمّصها عمر أميرالاي في خلال صنع فيلمه الشهير عن رفيق الحريري. والحق أن المخرج لم يهدم لها “الجدار الرابع”، ورفدها بموسيقى عاطفية لحظة وَرَد اسم الرئيس الشهيد.

لا كلام يقال عن هذه المقابلة التلفزيونية، والتي أجريت في لحظة ذروة من ذروات الأزمة اللبنانية الشاملة. هذه مقابلات لا يكون التفاعل معها إلا ضحكاً، وهستيرياً أيضاً، مصحوباً بضرب الجبين بالكف، وسلسلة من شهقات اللاتصديق أن شيئاً كهذا ممكن بالمطلق، فكيف بالحريّ الآن وهنا؟! لكن كلاماً كثيراً يُقال عن كوكب بقية اللبنانيين وما كان في صدده.




ففي تلك الأثناء، كانت عبارة “بس ولا!”، قد أتمّت حفر مكانها في الوجدان الجمعي. العبارة التي أطلقتها شقيقة أحد ضحايا تفجير المرفأ في وجه عنصر الأمن المتوحش في “حماية” بيت الوزير محمد فهمي، هي تفاعُل اللغة الحية مع واقع بلا سياسة، وبالتالي بلا لغة، وهي التطوّر والامتداد الطبيعي للـ”هيلا هوو”. لغة الحقيقة، في مقابل لغة “طق حنك” استفزت المحاوِرة التي ما لبثت أن خاطبت ضيفها بـ”حندوقة عينك”.

وفي تلك الأثناء، كانت صديقة تكتب في مجموعة تواصل، كيف أنها تلفّ على الصيدليات ولا تحظى بخافض حرارة لطفلتها، وصديقة أخرى تعبّر عن قلقها من شح لقاحات الأطفال وهي التي ولدت بِكرها منذ أسابيع قليلة في هذا الأتون المسمّى بلداً.

في تلك الأثناء، كان هرج الشارع ومرجه، يصعّد رثاثة حياة كوكبنا ومصائبها الكبرى وأخطارها التي لم تُستنفد بعد، رغم كل ما جرى ويجري.

في تلك الأثناء، كانت القاضية غادة عون منشغلة بملاحقة مواطنين تقدموا بدعوى رسمية لحِفظ حقهم في التأكد من أهلية رئيس الجمهورية للحُكم. والقاضي طارق البيطار يحاول أن يقوم بعمله في قضية تفجير المرفأ، باحترافية وجرأة، فيما الحريري يصرّ على أنه لا حلّ إلا بتحقيق دولي، وهو نفسه لم يأخذ حقه كاملاً في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وبموازاته مُحاوِرة قد يظن زائرنا الغريب أنها بدأت مشوارها المهني بهذه المقابلة، وسينعقد حاجباه طوال تجلّيها في أسئلة الهمهمات المبتورة والتعليقات “المُفحِمة” المُستَحضرة من شرفات المنازل وشجارات الجيران.

في تلك الأثناء، كان فيديو “الصحافية” العونية، سكارليت حداد، ما زال يُتداول بكثرة ويحيّر العلماء، إذ تُخبر عن “رائحة الغاز” التي تصاعدت إلى أنوف المنقّبين في بحر لبنان. وكذلك فيديو الناشطين الذين “كبسوا” نائبة رئيس “التيار الوطني الحر”، مي خريش، في مطعم، ومعها قاضية لا يأتيها من القانون، في تلك اللحظة، سوى أن هذا الناشط أمامها سبق له أن وقّع “تعهداً”.

في تلك الأثناء، كانت جرعة الأدرينالين تفعل فعلها في عروق الدولار واللولار، والعملة الصعبة تبلغ سن الرشد التي تؤهلها للانتخاب، ويا ليتها تفعل. لكن الحريري يشكو تحوله من ملياردير إلى مليونير. ومُحاوِرته في غيبوبة تساؤلاتها عن السعودية ومصر، التاريخ وجمال عبد الناصر، وعمّن قتل رفيق الحريري قبل 16 عاماً. ولا تتذكّر من موقعها المهني إلا أسئلتها عن وثائق أو دلائل يملكها الرئيس المعتذر لرفد أي من “ادعاءاته”.

في تلك الأثناء، كانت البلاد مستمرة في تداعيها، مسماراً بعد مسمار، وقطاعاً بعد قطاع، وقتلى بعد قتلى وجرحى ومرضى وجائعين. أما في ذلك البُعد العاشر حيث سبح “الجديد”، فلا جديد على الأرجح: مريم تحتفل بتقريع سعد، وسعد يدرك أنه أساء الاختيار.


رشا الأطرش – المدن