كيف للدول المؤثرة ان تفشل في ضغوطها؟

روزانا بومنصف – النهار

بين المساعي الديبلوماسية المشتركة لواشنطن وباريس والتي توجت برسالة وجهت الى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون عبر السفيرتين دوروثي شيا وآن غريو من اجل تأليف حكومة تجري الاصلاحات وتوقف الانهيار، كانت المقارنة قوية بالنسبة لمن عايش مرحلة 1989 و1990 مع المساعي الدولية انذاك من اجل حض العماد عون رئيس الحكومة العسكرية التي كانت مكلفة من حيث المبدأ اجراء انتخابات رئاسية واخلت بمهمتها ، من اجل قبول اتفاق الطائف ولم تنفع كل المساعي وانتهت الازمة بما يعرفه جميع اللبنانيين من تسليم لبنان لسوريا والتداعيات الكارثية لذلك.




مع فشل تأليف الحكومة في ضوء اعتذار الرئيس سعد الحريري والذي قدم لعون”انتصارا” عمل من اجله الاخير خلال الاشهر التسعة الماضية من اجل منع الحريري من تأليف الحكومة واحراجه لاخراجه ، لا يثار السؤال فقط حول البدائل امام رئيس الجمهورية في ضوء انتظاره الطويل لهذه اللحظة لمنع المزيد من انهيار البلد وتوسيع معاناة اللبنانيين، بل يثار في شكل اساسي حول فشل مساعي اميركية فرنسية مشتركة ومساعي فاتيكانية وعربية ايضا وحتى روسية اقله وفق ما انخرطت روسيا في اتصالاتها مع الافرقاء اللبنانيين ولماذا ؟ وهل ان هذه المساعي كانت متضاربة ام ان السبب يعود الى غياب ايران عن الواجهة كما لو انها غير موجودة فيما يسيطر ” حزب الله” على القرار اللبناني. ففي مكان ما ، برزت هذه الحركة الدولية متعددة الاضلع ولكن من دون وجود عملاني لايران في الصورة حتى لو التقى الموفد الفرنسي باتريك دوريل رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد وبقيت السفيرة الفرنسية على تواصل مع مسؤولي الحزب. اذ لا يبدو قابلا للتصديق لامبالاة عون بكل هذه المساعي او تذرعه قبل ايام بصلاحياته فيما البلد يغرق في جهنم كما لو ان هذا الامر تفصيل امام هذه الصلاحيات او امام انتخابات رئاسية لمصلحة صهره او والاهم عدم اهتزاز ” قوة” او نفوذ الحزب.

اذ لم يفت مراقبون ديبلوماسيون المواكبة الاميركية ، اذا صح التعبير، للمبادرة الفرنسية على نحو يدحض كل تأويل لدعم كلامي وغير عملاني اميركي للجهود التي قام بها الرئيس ماكرون منذ سنة مع انفجار المرفأ في بيروت . فلم تتول واشنطن وحدها القيام باي جهد لا في الضغط ولا في الوساطات كما في الزيارة التي قامت بها السفيرتان دوروثي شيا وآن غريو الى المملكة السعودية . لا بل ان الزيارة الثنائية الى قصر بعبدا من حيث توقيتها اي بعد عدة ايام مرت على الزيارة السعودية وبرسالة مزدوجة من وزيري الخارجية الفرنسي والاميركي تكشف هذا التنسيق المشترك والدعم الفعلي الاميركي الى جانب الفرنسي .

المؤشرات اللافتة ان فرنسا لم تنجح وحدها من دون الدعم الاميركي اذ ان الخلافات مع واشنطن بين مقاربتين مختلفتين واحدة فرنسية تعطي دورا كبيرا ل” حزب الله” على نحو حظي بانتقادات افرقاء لبنانيين لا سيما لدى موافقة الرئيس ماكرون بسرعة على طاولة الاجتماع الذي دعا اليه الزعماء اللبنانيين على اسقاط مطلب الانتخابات النيابية المبكرة والبحث في الاستراتيجية الدفاعية من مسار او الية الحل المطلوب . ومقاربة اخرى اميركية كانت فرضت عقوبات على وزراء سابقين وعلى رئيس التيار العوني جبران باسيل في عز المسعى الفرنسي على نحو لم تره باريس تعاونا فعليا من واشنطن بل عدم المساعدة فعليا .

هذا على الاقل حصل مع ادارة الرئيس دونالد ترامب فيما انتظرت باريس بفارغ الصبر تسلم بايدن الرئاسة الاميركية من اجل حض واشنطن على الانخراط الى جانبها.

واجه ماكرون عدم وفاء الطبقة السياسية اللبنانية بالتزاماتها تجاهه فيما واجه كذلك تحدي طمأنه طهران التي ابلغته انها لن تسمح باضعاف ” حزب الله” من خلال مبادرته فيما بقي موضوع التعاطي مع الحزب اشكالية اساسية بين باريس وواشنطن وحتى بين باريس والمملكة السعودية . اذ ان الحليف المسيحي للحزب في رئاسة الجمهورية وكفريق مسيحي اساسي يؤمن التغطية للحزب ويأخذ الواجهة في العرقلة بدلا من الحزب شكل احراجا ايضا من حيث تحدي الاخير الطائفة السنية ومحاولة الاستقواء على موقع رئاسة الحكومة كما على اتفاق الطائف من خلال طموحات مزمنة لديه بتعديله . كما واجه ماكرون صعوبة امكان تحفيز المنظمات والمؤسسات الدولية على دعم لبنان .
فمن دون الدعم الصريح والفاعل لواشنطن لن تمنح المنظمات الدولية والجهات المانحة الاموال التي يحتاج اليها لبنان للخروج من ازمته شأنهما معا اي باريس وواشنطن في عدم تحفيز المملكة على تقديم الدعم اللازم نتيجة التحفظات الكبيرة لدى الاخيرة على سيطرة ” حزب الله” على القرار اللبناني. يمكن لماكرون الخروج بحصيلة مرضية اذا تألفت الحكومة بعد سنة من تعهده للشعب اللبناني بعدم تركه لوحده وان مثابرته في انجاح مبادرته كانت مثمرة له على صعيد سياسته الخارجية في المنطقة لا سيما بعد خروجه خالي الوفاض من مبادرات تتصل بكل من ليبيا وايران اخيرا . ولكن ذلك لم يحصل لا سيما انه كان يمني النفس بتأليف حكومة قبل الذكرى السنوية الاولى لانفجار ٤ آب حيث ينظم مؤتمرا لدعم لبنان.

بالنسبة الى ادارة بايدن فمن المهم بالنسبة الى هؤلاء المراقبين الديبلوماسيين رصد انتهاجها مرونة ازاء موضوع الحزب تماشيا مع المرونة التي تبديها ازاء ايران وانتظارها لتقرر متى ترغب في استئناف المفاوضات حول ملفها النووي على عكس الادارة السابقة . فهذا موضوع حيوي ومهم بالنسبة الى اللبنانيين من زاوية ان الكباش القوي الذي حصل في موضوع الحكومة يجب الا ينتهي بتسليم ضمني بالواقع السياسي كما لو ان شيئا لم يتغير. فهذا هو الرهان لافرقاء هذا المحور على خلفية ان اعادة تأمين انتخاب بشار الاسد من جهة ونجاح ايران المرتقب في رفع العقوبات الاميركية عنها يجب الا يترجم تنازلات او اضعافا لهذا المحور لا سيما ان عون وفريقه في الواجهة ان بالنسبة الى سوريا او ايران.