راجح الخوري - النهار

ذبّاحون في مسلخ ونحن النعاج! – راجح خوري – النهار

هل كان من الضروري ان نصل الى هنا بعد تسعة اشهر من التراشق بالورود بين الرئيس ميشال عون وصهره جبران باسيل من جهة، وبين الرئيس سعد الحريري من جهة أخرى؟ يصل الحريري من القاهرة بعد سلسلة من الزيارات الخارجية المتواصلة، يصعد الى القصر الجمهوري للمرة الـ 19 والاحتقان في وجهه، يقدم تشكيلة حكومية جديدة الى عون ويخرج ليقول: قدمت تشكيلة من 24 وزيراً تتلاءم مع المبادرة الفرنسية ومبادرة الرئيس نبيه بري، وليضع شرطاً كاسراً على الباب، “وانا انتظر جواباً منتصف يوم الخميس”، بمعنى إما ان على عون قبول التشكيلة، وإما ان يرفضها ليبنى على الشيء مقتضاه.

كان الجو مكهرباً طبعاً عند عون المعروف عنه انه يشرقط غضباً، لكنه خرج وقال للصحافيين: “بيأمر”، وهو ما ذكّرنا بحرب الإلغاء التي جاءت بعد قول الدكتور سمير جعجع ذات يوم على درج بكركي: بيأمر الجنرال، الذي شن حرباً على “القوات اللبنانية” لينزع سلاحها، ثم عاد بعد أعوام وبترتيب سوري – إيراني، ليجلس في أحضان السيد نصرالله، بينما كان مار مخايل يستشيط غضباً!




لا داعي للمضي في سرد هذا التاريخ، الذي شاء سعد الحريري ان يضيف اليه لاحقاً فصلاً اعتبره الكثيرون مأسوياً سمّاه “التسوية السياسية”، التي ستحمل عون الى معراب وشرب الأنخاب، ثم انتخابه رئيساً بعد 29 شهراً من الفراغ الرئاسي، في 31 تشرين الاول 2016، ومنذ ذلك الحين لن يستمر فراغ الدولة عملياً فحسب، بل ستبدأ بعد فترة من تقاسم المغانم وما بقي من جثة الدولة، حرب الإلغاء الجديدة ضد الحريري، والتي اخذت معالمها حتى قبل ان يقول عون عنه إنه كذّاب ويدعمه باسيل بالقول انه غير مؤتمن على الإصلاح بمعنى انه فاسد، وياعين على الإصلاح والتغيير في هذا العهد القوي.

التشكيلة الجديدة على ما قيل تضم اسماءً جديدة لم يتم النقاش فيها ولا التفاهم عليها، وتنطوي على تبديل في المحاصصة المذهبية لبعض الحقائب، وهكذا بدأ حراس الدستور في كواليس بعبدا بالصراخ والقتال، قبل ان يكون معلوماً ان تحديد مهلة لعون حتى ظهر امس الخميس يعني بوضوح دفعه الى القبول خضوعاّ او الرفض والبناء على الشيء مقتضاه، وبالفعل خرج الحريري بعد اقل من ثلث ساعة على لقائه عون ليعلن اعتذاره، مما سيدخل البلاد في مزيد من الفراغ الحكومي الذي قد يستمر حتى نهاية العهد، الذي جاء من فراغ وقد ينتهي بفراغ، لكن الأدهى ان لبنان مات ويموت على ايدي هذا الطقم السياسي، الذي ذبح البلد، فهم ذبّاحون في مسلخ!

لست ادري ولا احد في هذا العالم يمكن ان يدري، كيف امكن عون والحريري الجلوس معاً اول من امس ثلث ساعة من دون ان ينفجر القصر، ثم مرة ثانية بعد ظهر امس، قياساً بما كنا قد سمعناه قبل يومين عن اتهام الحريري بذبح البلد وإحراق العهد، وردّ “المستقبل” بان الذبح والمسلخ الوطني مقرهما الرئيسي بعبدا، وان عون هو المعني الأول بمآسي البلد، والمهم حماية البلد من مستنقع الشالوحي ومن الذبح على الطريقة العونية.

كيف يمكن ان نصدّق ان بلداً مفلساً وجائعاً، يموت الناس على أبواب مستشفياته وصيدلياته ويقعون في العتمة ويركبون الدواب، ولا يملكون حبة دواء، والتهريب ناشط الى سوريا حتى آخر قرش من ودائع المواطنين، يستطيع ان يتحمل ايضاً الإهانة الموصوفة عندما يتخاطب رؤساؤه بهذه الكلمات المهينة، ثم يجلسون في حكومة واحدة، ويتفاهمون لسحب لبنان من الجحيم الذي دفعوه اليه؟