قصة انقلاب ترامب الذي لم يكتمل بسبب الخطة “السرية” لقادة الجيش.. كتاب يفضح المستور

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت لديه خطة للانقلاب على نتيجة الانتخابات والبقاء في البيت الأبيض، لكن قادة الجيش وضعوا خطة “سرية” لإفشال الانقلاب، تفاصيل كشفها كتاب جديد وما خفي أعظم.

وترجع قصة سعي ترامب لقلب نتيجة الانتخابات التي خسرها لصالح الرئيس الحالي جو بايدن إلى يوم 6 يناير/كانون الثاني، عندما لبَّى أنصار الرئيس السابق دعوته واقتحموا الكونغرس لتعطيل جلسة التصديق على نتيجة الانتخابات، وهو المشهد الذي لم يكن أحد يتصوره على الإطلاق.




نعم فشلت محاولات ترامب وتم التصديق على فوز بايدن وغادر الرئيس السابق البيت الأبيض، لكن تشكيكه في نتيجة الانتخابات لا يزال مستمراً والتحقيقات في أحداث اقتحام الكونغرس أيضاً مستمرة، ولا يمر يوم دون كشف جديد عن عمق مؤامرة ترامب وبعض أنصاره للتشبث بمنصبه بأي طريقة ممكنة.

والأسبوع المقبل سيتم نشر كتاب عنوانه “أنا وحدي يمكنني إصلاح الأمر” من إعداد كارول لونيج وفيليب روكر، وهما صحفيان في واشنطن بوست حاصلان على جائزة البوليتزر (بمثابة الأوسكار)، يكشف المزيد عن كواليس العام الأخير من رئاسة ترامب، ويجيب عن سؤال هام: هل خطط ترامب للانقلاب فعلاً؟

هكذا كان يخطط ترامب للانقلاب

وبحسب مقتطفات من الكتاب نشرتها اليوم شبكة CNN، لم يكن الحديث عن “انقلاب” مجرد تفكير عابر في ذهن الرئيس الأكثر إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي المعاصر، بل كانت هناك بالفعل استراتيجية وضعها ترامب ومعاونوه المقربون أو دائرته الداخلية، لكنها فشلت بسبب رفض الجهات القادرة على تنفيذها في نهاية المطاف.

وتقدم فصول الكتاب نظرة فاحصة على كواليس البيت الأبيض واتصالات وقرارات ترامب ودائرته المقربة، بعد يوم 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 -اليوم الأخير في التصويت في الانتخابات- والأيام التالية عندما بدأت النتائج تظهر خسارة ترامب.

وأجرى مؤلفا الكتاب مقابلة مع ترامب نفسه استغرقت ساعتين، كما أجريا مقابلات مع مسؤولين سابقين في إدارته واطلعا على كثير من مستندات البيت الأبيض في تلك الفترة، ورسما صورة متكاملة عما كان يدور خلف الأبواب المغلقة، وبالتحديد سلوكيات وأحاديث ترامب في تلك الفترة المضطربة من تاريخ الولايات المتحدة الحديث.

وبحسب المقتطفات التي نشرتها CNN ولقاءات أجراها موقع The Hill حول الكتاب ومحتوياته، يبدو واضحاً أن قصة “الانقلاب”، التي ربما يجدها الكثيرون غير قابلة للتصديق في الديمقراطية الأكثر رسوخاً حول العالم، لم تكن مجرد تكهنات بل كانت واقعاً اقترب ترامب بالفعل من تحقيقه.

خطة رئيس الأركان لإفشال انقلاب ترامب

الجنرال مارك ميلي، رئيس هيئة الأركان المشتركة وأعلى مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون بعد وزير الدفاع، كان كلمة السر في التصدي لمحاولة ترامب الانقلابية، بحسب المقتطفات التي تم نشرها من الكتاب؛ إذ عندما تأكد ميلي من أن ترامب -القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية- وحلفاءه يخططون للانقلاب أو اتخاذ إجراءات خطيرة وغير قانونية أخرى لعدم التسليم بنتيجة الانتخابات، بدأ الجنرال على الفور في وضع “خطة سرية” لإحباط الانقلاب.

ويصف ميلي بنفسه، من خلال صفحات الكتاب، كيف أنه ناقش تلك الخطة بالفعل مع الجنرالات الآخرين أعضاء هيئة الأركان المشتركة، ووضعوا سيناريوهات متعددة لكيفية التصدي لانقلاب ترامب، كان أحدها أن يتقدم كل منهم باستقالته على حدة، حتى لا ينفذوا أوامر يصدرها ترامب لهم يروها غير قانونية أو خطيرة أو تحمل تبعات سيئة للبلاد.

وتصف صفحات الكتاب كيف تزايدت مخاوف ميلي وباقي الجنرالات في أعقاب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، وأصبحوا أكثر يقظة واستعداداً لتحدي ترامب “عندما تحين اللحظة الحاسمة”، خصوصاً في أعقاب إقالة الرئيس السابق لوزير الدفاع مارك إسبر واستقالة وزير العدل ويليام بار، حيث أصبح مؤكداً لدى هيئة الأركان المشتركة بقيادة ميلي أن “هناك شيئاً ما خطأ يدبره ترامب”.

وتحدث ميلي مع أصدقاء له ومشرِّعين في الكونغرس وزملاء من الجنرالات حول “خطر التخطيط لانقلاب من جانب ترامب ودائرته المقربة”، وكيف أن رئيس هيئة الأركان شعر بأنه “حان الوقت لليقظة التامة” استعداداً لما هو قادم.

وقال ميلي لمعاونيه، بحسب مقتطفات الكتاب: “يمكنهم أن يحاولوا لكنهم لن ينجحوا.. بالتأكيد. (ترامب) لا يمكنه أن ينفذ ها الأمر (الانقلاب) دون موافقة الجيش ودون موافقة المخابرات المركزية CIA ودون موافقة مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI. نحن الرجال الذين يحملون السلاح”.

اقتحام الكونغرس كان “كلمة السر”

ويكشف الكتاب أيضاً عن اللحظة التي بدأ فيها القلق يتسرب إلى الجنرال ميلي بشأن “انقلاب محتمل لترامب”، ويتضح أن تلك اللحظة كانت سابقة على اقتحام الكونغرس، وترجع إلى شهر نوفمبر/تشرين الثاني عندما قام مناصرون لترامب بمسيرة سموها “مليونية لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”. حينها قال ميلي لمساعديه إنه يخشى أن “تكون تلك المسيرة هي المعادل الأمريكي العصري لمسيرة أصحاب القمصان البنية في ألمانيا”، في إشارة لميليشيات نازية كانت تجوب شوارع ألمانيا وأوصلت أدولف هتلر للحكم وقتها.

وشيئاً فشيئاً بدأت ملامح استراتيجية انقلاب ترامب تتشكل أمام ميلي والجنرالات، وبخاصة في الأسابيع والأيام التي سبقت يوم اقتحام الكونغرس (6 يناير/كانون الثاني)، عندما بدأ ترامب يدعو أنصاره “لاتخاذ موقف والقيام بعمل ما”. وقال ميلي لمساعديه وقتها إن ترامب يسعى لإثارة الاضطرابات على أمل أن يتخذها ذريعة لتفعيل “قانون الطوارئ واستدعاء الجيش”.

وهنا تأكد ميلي من أن ترامب عبارة عن “زعيم سلطوي كلاسيكي ليس لديه ما يخسره”، وبدأ تتأكد لدى الجنرال أوجه الشبه الكبيرة بين ترامب وهتلر، فالأخير رفع شعار الضحية والمنقذ (بالنسبة للألمان)، بينما رفع ترامب شعار تزوير الانتخابات. وقال ميلي لمساعديه، بحسب مقتطفات الكتاب: “هذه لحظة الرايخ الألماني. مذهب الفوهرر (هتلر)”.

رعب من “المعتوه” القادر على إطلاق سلاح نووي

ويذكر ميلي تلقيه خطاباً من “صديق قديم” بعد أسبوع واحد من الانتخابات، حمل تحذيراً مباشراً من أن معسكر ترامب يخطط للانقلاب بالفعل: “ما يحاولون القيام به هنا هو الانقلاب على الحكومة. الأمر حقيقي يا رجل. أنت واحد من القلائل الذين يمكنهم حمايتنا من شيء سيئ للغاية على وشك أن يحدث”.

ويكشف الكتاب تفاصيل دقيقة عما كان يدور في الكواليس خلال الفترة التي تلت الانتخابات وصولاً إلى فضيحة اقتحام أنصار ترامب للكونغرس وما دار خلال الساعات الأكثر خطورة في التاريخ الأمريكي المعاصر، خصوصاً بعد إقدام ترامب على إقالة وزير الدفاع إسبر، وكيف أصبح ميلي -بصفته رئيس هيئة الأركان- خط الدفاع الأخير في مواجهة “ترامب المجنون والخطير والمعتوه” كما وصفته رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي.

الأوصاف القاسية بحق الرئيس السابق جاءت على لسان بيلوسي في أعقاب اقتحام الكونغرس، حينما تحدثت مع الجنرال ميلي وعبرت عن رعبها من أن يقدم ترامب على إطلاق “أسلحة نووية” خلال أيامه الأخيرة في البيت الأبيض.

وبحسب مقتطفات الكتاب، ردَّ ميلي على بيلوسي قائلاً: “سيدتي أنا أضمن لك أن هذه العملية (إطلاق السلاح النووي) محكمة جيداً. ولن يكون هناك إطلاق عرضي أو خاطئ للسلاح النووي”. وتساءلت بيلوسي: “كيف تضمن لي ذلك؟”، فردَّ ميلي: “سيدتي، هناك عملية محددة لذلك. ومن جانبنا لن نطيع سوى الأوامر القانونية. ولن نفعل شيئاً إلا إذا كان قانونياً وأخلاقياً”.

ويعيد هذا الحديث للأذهان القلق الذي بلغ ذروته بالفعل من سعي ترامب إلى إشعال حرب في أيامه الأخيرة في البيت الأبيض، وبصفة خاصة مع إيران. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو -صديق ترامب- يسعى جاهداً هو الآخر لتوجيه ضربة عسكرية لبرنامج إيران النووي من خلال صديقه في البيت الأبيض.

لكن على أية حال، يبدو أن ذلك الكتاب يحمل بين صفحاته كثيراً من تفاصيل ما كان يجري خلف الكواليس في واشنطن خلال نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول (2020) ويناير/كانون الثاني من هذا العام، ويكشف المستور بشأن ذلك الانقلاب الذي أراده ترامب وأحبطه الجنرالات، في الدولة التي ترفع شعار الديمقراطية وحمايتها حول العالم.