حازم الأمين

لبنان: الطوائف إذ تحمي مجرميها! – حازم الأمين – الحرة

لم نشهد في يومٍ من الأيام انكشافاً لوجه المافيا على نحو انكشافه في لبنان هذه الأيام! فالسلطة تستعرض حقيقتها كل يومٍ، وهي تجد تصريفاً عملياً لهذا التشابه، لا بل التطابق، بينها وبين المافيا. لا بأس يقول رجل السلطة الفاسد والمجرم والمرتهن. ما نوصف به صحيح، لكن ما زال بإمكاني أن أجد فروقاً طفيفة أميز بها نفسي عنهم. الأرجح أنه ليس نكراناً ولا انفصالاً، إنما مجرد تصريف عملي بانتظار الموبقة المقبلة.

سعد الحريري يقول لم أكن في السلطة حين وقع انفجار 4 آب، وميشال عون يقول لم أكن رئيساً حين وصلت باخرة الأمونيوم إلى مرفأ بيروت في العام 2013، ونبيه بري يقول نحن سلطة تشريعية ولا صلة لنا بالسلطة التنفيذية، أما مرشد الجمهورية السيد حسن نصرالله، فكان في الجنوب يعاين مرفأ حيفا، وهو لا يعرف شيئاً عن مرفأ بيروت.




وفي اللحظة التي استدعى فيها القاضي فادي بيطار وزراء ونواب وأمنيين للتحقيق معهم عن دورهم في الانفجار، انعقدت بلحظة واحدة السلطة التي تدور حروب شعواء بين أطرافها، وكأن شيئاً لم يكن. وضعوا خلافاتهم جانباً وأخذوا القرار مجتمعين. لا إذن لقاضي التحقيق، ولا رفع للحصانات. عائلات 207 قتلى وعشرة آلاف جريح ونحو 200 ألف مشرد بفعل الانفجار لا قيمة لهم ما أن يقترب الاتهام من وجوه مرتكبي الانفجار. هنا الوضوح وهنا الشفافية وهنا الحقيقة. السلطة غير خجلة بفعلتها، وألم أم الطفل الذي قضى بالانفجار لا يساوي شيئاً أمام سعادة عائلاتهم المقيمة في فاريا وفي البترون وفي القصور المحصنة التي أشادوها بين طوائفهم وقطعانهم.

ألقى نصرالله خطبته الشهيرة مشيراً إلى التوظيف السياسي لقرار القاضي، تراجع بعدها وزير الداخلية محمد فهمي عن قراره بالسماح للقاضي بيطار بالتحقيق مع مدير الأمن العام عباس إبراهيم، وفي اليوم الثاني انعقدت لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب وطلبت شروطاً تعجيزية لرفع الحصانة عن علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق. وفي هذا الوقت كانت وجوه عائلات الضحايا ومن خلفهم اللبنانيين تحتقن أمام هذا المشهد المذهل في وضوحه.

القول بأنهم لا يخجلون صار وراءنا، فارتكاباتهم شملت مختلف جوانب حياة اللبنانيين. عائلاتهم تعيش تحت أنظارنا من نعم ما نهبوه. أرصدتهم التي هربوها إلى المصارف الأوروبية صارت معلنة ومكشوفة. الكهرباء التي سرقوا 40 مليار دولار لتزويدنا بها مقطوعة بالكامل. هم لا يخجلون بما فعلوه، لكن انفجار المرفأ كان ذروة الجريمة وها هم يتآلفون من جديد لحماية بعضهم بعضاً من تبعات هذه الجريمة.

لا بأس يقولون، إذا ما غضب الأهالي وتوجهوا إلى منزل محمد فهمي وحطموه، فالرجل ليس مهماً في آلة السلطة الحاكمة، المهم عدم الاقتراب من أعمدة المافيا، وهذه محصنة بحمايات طائفية ستجعل المافيا أي محاولة للاقتراب منها فتيل حرب شعواء. القدرة على توظيف البعد المذهبي لارتكاباتهم هو سلاحهم الأخير، وهم باشروا توظيفه. محمد فهمي كبش فداء نموذجي، لكن من طلبهم بيطار للتحقيق هم في صلب الخريطة المذهبية. يجري اليوم توزيع لهم بحسب انتماءاتهم. لماذا من بينهم شيعيان وسني؟ ولماذا عباس إبراهيم الشيعي أيضاً؟ هذا ما يشيعونه، وهذا ما أوحت به الملصقات والصور التي انتشرت، والمؤيدة لإبراهيم على نحو كثيف في مناطق الشيعة. وكانت سبقت صور عباس، صوراً لمدعي عام التمييز غسان عويدات احتلت المدى البصري من بيروت إلى صيدا، وفي هذا الوقت كانت مدعي عام جبل لبنان غادة عون تطلب التحقيق مع مواطنين لبنانيين رفعوا دعوى قضائية طلبوا فيها التحقق من الأهلية الصحية لرئيس الجمهورية!

السؤال الأكثر انتشاراً بين اللبنانيين اليوم هو: على أي كوكب يعيش هؤلاء؟ الناس جائعة، والجريمة أوضح من أن تدارى، وعائلات أعضاء المافيا تعيش بالنعيم تحت أنظارنا! إنهم يعيشون في لبنان، البلد الصغير الذي يعرف الجميع فيه كل شيء عن بعضهم بعضاً. لا شيء يمكن إخفاءه. أسماء العارفين والموافقين على وصول الأمونيوم الذي انفجر في مرفأ بيروت وزعت منذ اليوم الثاني للانفجار. الودائع التي جرى تحويلها إلى الخارج حددت المصارف السويسرية قيمتها، وتداول المصرفيون أسماء أصحابها في المقاهي، ومن بينهم مقربون من سعد الحريري ووليد جنبلاط ونجيب ميقاتي. المتعاقبون على وزارة الكهرباء منذ 15 عاماً جميعهم من التيار العوني وهم أنفقوا 40 مليار دولار على صفر كهرباء.

هل من شيء أوضح من ذلك؟ هل من جريمة معلنة أكثر من ذلك؟