ما الخيارات المتاحة أمام الحريري إذا اختار طريق الاعتذار؟

ابراهيم بيرم – النهار

اذا رجحت تماما كفّة الفرضية الاكثر سرياناً في الساعات الأخيرة، وفحواها ان الرئيس المكلف سعد الحريري قد أخذ بعد طول تردد ومحاولات قرار الاعتذار عن المهمة التي ندب نفسه لها قبل ما يزيد على الثمانية أشهر، وهي تأليف حكومة “مهمة” تنهي مرحلة الفراغ القاتل التي بدأت عمليا بعد انفجار المرفأ، فان إحدى العِبر المستخلصة هي ان الحريرية السياسية قد تلقّت بهذا المخرج للتو نكسة مما يفرض عليها مضاعفة جهودها بغية استيعاب التداعيات والارتدادات.




وعلى الفور يُطرح سؤال محوري من الآن فصاعدا وهو: هل مازال بامكان هذا التيار السياسي الذي ترك بصماته جلية وقوية في مسيرة الحياة السياسية والاقتصادية والادارية للبلاد في مرحلة ما بعد تطبيق الطائف، ان يعيد استنهاض نفسه لاستعادة ما قد يفقده؟

مبعث السؤال انها ليست الضربة السياسية الاولى من نوعها التي تتلقاها الحريرية مذ تولى مؤسسها وواضع مداميكها الرئيس الشهيد رفيق الحريري سدة الرئاسة الثالثة.

فالسردية التاريخية الموجزة للحريري الأب تشهد انه منذ اعتلائه سدة الرئاسة الثالثة والشروع بالتأسيس لهذه التجربة المميزة شكلاً ومضموناً ودوراً عن تجارب كل اسلافه، كان مفروضا عليه ان يواجه مروحة واسعة من المنافسين والمتضررين على حد سواء، لكنه بما توافر له من كاريزما شخصية واسباب دعم ذاتية وخارجية برع في استيعاب الهجمات العنيدة لخصومه وحسّاده الذين إما حاولوا إخراجه، وإما سعوا الى ابتزازه، متكئاً بطبيعة الحال على تفاهمات داخلية – اقليمية – دولية كانت في حينه غاية في الثبات وانتجت التسويات (سورية – سعودية – فرنسية – اميركية).

وحتى عندما اشتدت وتيرة الهجمات عليه في بداية عهد الرئيس اميل لحود، اضطر الحريري الأب الى التنحي عن منصبه وبادر فورا الى وضع منطلقات هجمة مرتدة، منحته في انتخابات عام 2000 فرصة العودة الى المنصب الذي غادره على كرهٍ منه من الباب العريض وذلك بفعل النتائج الباهرة التي حققها مع حلفائه في تلك الانتخابات.

لكن مسار الامور ما لبث ان تحوّل لاحقاً، وتحديدا بعد التطورات الدراماتيكية التي تلت الاجتياح الاميركي للعراق في العام 2003، لتكون خاتمة المسرحية عملية استشهاده في شباط 2005.

بعد هذا التاريخ المفصلي توافرت للحريرية السياسية فرصة القبض مجددا وبيد من حديد على زمام الحكم، لاسيما بعد الخروج السوري وانكفاء الخصوم امام ارتدادات مشهد الاغتيال. لكن اقل من سنتين على ذلك الحدث كانت كافية ليسترد الخصوم هذه المرة القدرة على الشروع بهجمات مضادة متتالية انتهت كما هو معلوم بأحداث 7 أيار عام 2008 وما حملته من تحولات ومتغيرات بعد اتفاق الدوحة.

إذذاك، كان على سعد الحريري ان يبذل جهودا استثنائية، خصوصا بعد انتخابات العام التالي لاستعادة الحكم المفقود. ولاحقاً ايضا كان عليه ان يواجه هجمة مرتدة من خصومه الذين التقطوا انفاسهم واستعادوا ثقتهم بأنفسهم، مما ادى الى اسقاطه عن سدة الرئاسة الثالثة التي كان جلس عليها حديثا ويضطر بعدها الى مغادرة الساحة لبعض الوقت تاركا كرة النار بيد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. وبعد ما يقارب العامين عاد الحريري الى السلطة عبر الرئيس تمام سلام، ولكن كان عليه لاحقا ان يخوض غمار تجارب سياسية مكلفة، لاسيما بعد انفراط عقد تحالف 14 آذار الذي أمّن له حماية خصوصا بعد خروج قائده الفعلي وليد جنبلاط.

ولعل ابرز هذه المحطات الصعبة التي ارتضاها الحريري:
– قبوله بمقتضيات “التفاهم الرئاسي” بعد سلسلة من المواجهات وحروب الالغاء بين طرفيه.

– الدخول في جولات تفاوض مع “حزب الله” برّدت ما قبلها من مناخات تشنج واحتراب.

لكن “شهر العسل” وفترة الاستقرار لم تطل. فبعد انطلاق حراك 17 تشرين وجد الحريري عبر جردة حساب معمقة ان من مصلحته الاستقالة. لكن الامور سارت كما هو معلوم بخلاف ما اشتهته سفن الحسابات الحريرية. وهو عندما حاول العودة من بوابة شروطه التي اراد ان تطلق يده في امور الحكم، وجد نفسه امام خصم كان ينتظره “على الكوع”. وهكذا ظل رئيسا مكلّفا لاكثر من ثمانية اشهر لمس خلالها انه فقد الكثير من اوراق القوة لديه. فعلى سبيل المثال:
لم يفقد الدعم الاقليمي المعتاد فحسب، بل وجد من هذا الطرف نوعاً من القطيعة.

– ان قوى الداخل التي اعتادت نجدته في الملمّات قد سارت كل منها في طريق حسابات شتى، من وليد جنبلاط الى “القوات اللبنانية”.

– لم يجد دعماً ومساندة إلا من رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ماذا بعد؟ كل المؤشرات الواردة من صوب “بيت الوسط” توحي بان الحريري وتياره عازمان على اللجوء الى امرين معا:
الاول الاعتذار عن التكليف والانتقال فورا الى ضفة المعارضة الضارية تكرارا لتجربة الحريري الأب عشية انتخابات عام 2000.
الثاني ان الحريري ليس في وارد الدخول في لعبة مباركة من سيتصدى لخلافته وفق ما سرى انه طُلب منه.
وهذا يعني استنتاجا ان الحريري اعد عدته لمرحلة ما بعد اعتذاره لاستعادة الحكم الذي انزلق من بين اصابعه بقوة قاهرة.

وثمة من يتحدث في اوساط “التيار الازرق” عن اوراق قوة اضافية تتوافر للحريري منها:
– وضع العهد المتآكل شعبيا.

– الصعوبات الماثلة امام الراغبين في الحلول محله في بلوغ السرايا الحكومية.

– ان الرئيس بري الذي يتصرف على اساس ان عزوف الحريري سيُعتبر بمثابة ضربة له سيكون في قابل الايام رافدا ثابتا له.
ولئن كانت تلك اوراق قوة يحسبها الحريري في جعبته، إلا ان خصومه يتحدثون عن تحولات وتغيرات لا تسمح للحريري بان يعيد تجارب والده في استعادة ما فقده.

وفي كل الاحوال، ثمة قناعة ثابتة مفادها ان الحريري بات لزاما عليه ان يمضي قدماً في خيارات المواجهة ولو اقتضى الأمر بذل جهود استثنائية.
ومهما يكن من امر، فالاجابة اليقينية ما برحت في ظهر الغيب لان المعطيات والوقائع الصلبة تبدو مفقودة.

اما اذا رجحت كفة المعالجات ونجحت جهود ربع الساعة الاخير في ارساء تفاهم مع الرئاسة الاولى يتيح للحريري ألا يخرج، فذلك شأن آخر يُدرج في خانة الفرضيات الأضعف وله حسابات مختلفة.