“فقر الدورة الشهرية” يهدد صحة النساء في لبنان.. دراسة تظهر أرقاماً مقلقة

تضطر “سمر”، (اسم مستعار)، وهي لاجئة فلسطينية من مخيم مار إلياس في بيروت، إلى تمزيق سروال “جينز” قديم، وتقسيمه إلى أجزاء تتلاءم مع حاجتها لاستخدامها بديلاً عن الفوط الصحية خلال دورتها الشهرية. شأنها شأن “عبير”، لبنانية تعيش في ضواحي بيروت، التي علمتها والدتها كيف تستخدم قطع قماش بدلاً من الفوط أيضاً، وذلك بعد الارتفاع الجنوني في أسعار الفوط الصحية ومستلزمات النساء خلال الدورة الشهرية، في ظل الانهيار الاقتصادي الكبير الذي يضرب البلاد.

“عبير”، ما عادت تتوجه إلى مدرستها خلال دورتها الشهرية، بسبب الإحراج الذي قد ينتج عن تخليها عن الفوط، وقد رضخت عائلتها للأمر الواقع بسبب عجزها بمدخولها المحدود، عن تأمين حاجات ابنتهم الخاصة، وسط عجزهم عن تأمين الطعام والأولويات الأكثر إلحاحاً في هذه الظروف التي يمر بها لبنان.




وبينما تعمد “إلسا” إلى إطالة فترة استخدامها للفوطة الصحية، من ٤ ساعات إلى ٨ ساعات، بعدما لجأت إلى نوعيات أقل كلفة من تلك التي اعتادت استعمالها، وجدت آية في “كأس الحيض” بديلاً مناسباً وأكثر توفيرا من الفوط الصحية والسدادات القطنية، لا سيما بعد أن تسبب تبديل النوعية بأخرى أوفر، بمضاعفات صحية وحساسية جلدية كان علاجها أكثر تكلفة بكثير.

“فقر الدورة الشهرية”

تبدلت طريقة تعامل كل فتاة وامرأة في لبنان مع دورتها الشهرية ومستلزماتها، بحسب وضعها المعيشي وظروفها المادية، لكن الثابت أن 76 بالمئة منهن يعانين من صعوبة في الوصول لمنتجات الدورة الشهرية بسبب الزيادة الحادّة في الأسعار الناتجة عن الأزمة الاقتصاديّة وانهيار العملة اللبنانية، وذلك بحسب دراسة إحصائية وطنيّة نفذّتها منظمة “في-مايل” بالشراكة مع منظمة “PLAN international”.

الدراسة هي الأولى من نوعها في لبنان مبنية على إحصاءات وأرقام تكشف لأول مرة، وتسلط الضوء على واقع “فقر الدورة الشهرية” في لبنان، وهو مصطلح يشير إلى عدم قدرة النساء والفتيات على الوصول إلى ما يلزمهنّ من مستلزمات نظافة شخصيّة أثناء فترة الحيض.

وهدفت الدراسة، التي أجرتها شركة Statistics Lebanon ltd بتكليف من الجمعيتين، إلى تحديد العوامل المؤثرة على إدارة الدورة الشهرية لدى النساء والفتيات، وإلى فهم تداعيات الأزمة الاقتصادية والصّحية لناحية توفرّ المنتجات الصحية والسلوكيات المتبعة، وقد شملت 1800 أنثى تم الاتصال بهن عبر هاتف، وتراوحت أعمار المشاركات في الدراسة ما بين 12 و45 سنة، وقد تم تقسيمها إلى ثلاث فئات عمرية: 12-18سنة، 19-30 سنة و31-45 سنة، موزعين على مختلف المناطق اللبنانية ومن مختلف المستويات الثقافية وفئات الدخل، وشملت 1200 أنثى لبنانية، 400 أنثى سورية و200 أنثى فلسطينية.

وتقول المديرة التنفيذية بالشراكة في منظمة “في-مايل”، علياء عواضة، إن “فقر الدورة الشهرية أصبح للأسف واقعًا في لبنان، وله الكثير من التأثيرات السلبية والضرر المباشر على الصحة الجنسية والإنجابية للنساء والفتيات.” مع الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع ينتقص من كرامة النساء الإنسانيّة ويؤدّي إلى عدم شعورهنّ بالأمان أثناء فترة حيضهنّ”.

الأرقام تثير القلق

من جهتها تعبر مديرة برامج الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية في منظمة “بلان إنترناشيونال” لما نجا، عن قلق المنظمة من تأثير تدهور الأوضاع في لبنان على المراهقات والنساء، وخاصة مع تزايد أعداد اللواتي استبدلن الفوط الصحية ولجأن إلى استخدام طرق بديلة وغير آمنة، “ما يشكل خطرا حقيقيا على حقوق وصحة المراهقات والنساء الجنسية والإنجابية. في حين أن الدورة الشهرية ليست خيارا بل واقعا بيولوجيا والوصول إلى منتجات الدورة الشهرية هو حق من حقوق الإنسان”.

وبحسب “في-مايل” فقد ارتفعت أسعار الفوط الصحية المستوردة ما بين 66% و409% فيما ارتفعت أسعار المنتجات الوطنية من98% إلى 238% بحسب الأصناف، وما كان سعره يتراوح بين 4000 ليرة و6000 ليرة بات اليوم بين ال 25 و35 ألف ليرة لبنانية.

ووفقا للدراسة فإن 41.8٪ من النساء والفتيات في لبنان قمن بتقليل كميات الفوط الصحيّة المستخدمة خلال الدورة الشهريّة أو استخدمنّها لفترة أطول، هذه النسبة ارتفعت إلى 60.5% لدى النساء والفتيات السوريات. فيما 37.1% من النساء والفتيات عانين من أجل الحصول على منتجات الدورة الشهرية، والكفاح كان تصاعديا مع انخفاض دخل الأسرة، إذ ارتفعت النسبة إلى 59.5% لدى الأسرة التي يبلغ دخلها الشهري 675000 ليرة (الحد الأدنى للأجور) أو أقل، و41.8% يتراوح دخلها الشهري ما بين 675000 و1.5 مليون ليرة.

مخاطر صحية

“فقر الدورة الشهرية” الذي استخدمه كمصطلح 35.3٪ من النساء والفتيات في لبنان، للحديث عن حالتهنّ، لا يقتصر بآثاره على ارتفاع الأسعار بل أدى إلى انعكاسات صحية ومشاكل نفسية ناتجة عن الخلل الطارئ على حياة النساء في لبنان.

حيث بينت الدراسة أن 43% من اللواتي شملتهن الدراسة عانين من مستوى معين من القلق والتوتر نتيجة عدم قدرتهن على الحصول على منتجات الدورة الشهرية، و36٪ من النساء والفتيات في لبنان عانين من أعراض جسديّة بسبب عدم تمكنهم من شراء حاجات الدورة الشهرية ومنتجات النظافة ما يؤدي إلى التهابات تؤثر على صحتهن الجنسية والإنجابية. وقد انعكس الأمر على النساء والفتيات اللبنانيات والسوريات، بدرجات متفاوتة.

أساسيات في السوق.. كماليات للدولة

يذكر أن هذه الدراسة تأتي في إطار حملة وطنية تطلقها المنظمتين (في-مايل وبلان إنترناشيونال) تحت عنوان “#نشّفتولنا_دمنا” لرفع الصوت حول سلبيات “فقر الدورة الشهرية” وتداعياتها على النساء والفتيات في لبنان وللتشديد على أهمية إيجاد حلول طويلة الأمد من قبل الحكومة اللبنانية والجهات المعنية لمعالجة هذا النقص.

وفي هذا الإطار تشير عواضة إلى ضرورة مواجهة محاولات تهميش حاجة النساء لهذه المستلزمات وتسخيفها، في ظلّ زحمة القضايا المعيشية، التي يتمّ التذرّع بها كأولويّة تغيب عنها حقوق، صحة وأجساد النساء والفتيات، لافتةً إلى أهمية تكامل الجهود للتوعية بحق النساء والفتيات بالوصول إلى مستلزمات النظافة الشخصية خاصة الفوط الصحيّة، والمطالبة بهذا الحقّ.

ترى عواضة أن المسؤول الأول عن هذه المشكلة هو الدولة اللبنانية، “فالسبب الرئيسي للمشكلة هو الأزمة الاقتصادية وبالتالي فإن الشخص المسؤول عن مراقبة الأسعار وضبطها وشمولها بسلة الدعم وتخفيض الضرائب عنها من أجل تخفيض سعرها وتوفيرها هو الدولة بحكومتها ووزاراتها المعنية.”

وتتابع: “حين دعموا السلع الرئيسية في البلاد وحددوا السلة المشمولة بالدعم، لم يرصدوا هذه الحاجة الشهرية لدى النساء واستثنوا كل السلع المتعلقة بالدورة الشهرية للنساء. من هنا تبدأ المشكلة ومن هنا الحل، حين تعتبر الدولة أن حاجات النساء ولا سيما مستلزمات الدورة الشهرية أولوية وضرورة وليست من الكماليات، هي حق وليست رفاهية، وبالتالي يتم دعمها كغيرها من السلع والحاجات الأساسية.”

من جهتها تتأسف نجا لأن لا تكون حقوق النساء في أي مناسبة أو استحقاق ضمن الأولويات الحكومية وألا تكون مرصودة بخطة للاستجابة لحاجات النساء، “وكان هذا الأمر فاضحاً في عدم شمول مستلزمات الدورة الشهرية ضمن السلة المدعومة من السلع الأساسية للمواطن اللبناني، إضافة إلى غياب دور وزارة الاقتصاد في مراقبة أسعار هذه السلع، حتى بات هناك فرقاً شاسعاً بين السلعة نفسها المخصصة للنساء عن تلك المخصصة للرجال، كشفرات الحلاقة مثلاً.”

وتفسر عواضة هذه الظاهرة بـ “الضريبة الوردية”، التي تشمل كل سلع مخصصة للنساء وتمثل ضرورة لهن، “كالغسول والشامبو والفوط الصحية، وشفرات الحلاقة التي ارتفعت أسعارها أكثر بمرتين عن تلك المخصصة للرجال، لأنها تمثل ضرورة للنساء بينما يمكن للرجال التخلي عنها أو إيجاد بدائل متاحة، وهذا ما فهمه التجار حيث استغلوا واحتكروا ورفعوا أسعار تلك السلع الضرورية للنساء والتي لا بديل عنها، فيما الدولة استمرت بالتعامل معها على أنها كماليات ورفاهية وكأنه ما من وزيرات في الحكومة أو ما من نساء وبنات في حياة الوزراء والمسؤولين، ليعلموا حجم الأمور وضرورتها.”

الحل يستدعي الجميع

وتطالب عواضة الدولة اللبنانية بالاستفادة من علاقاتها والدعم المقدم لها من الكثير من المنظمات الدولية، من أجل إطلاق خطة وطنية لمعالجة هذا الأمر، وبالمرحلة الأولى وبشكل عاجل إطلاق حملة توزيع مجاني للفوط كما يحصل مع الأدوية والأغذية، في المستوصفات والمستشفيات ومراكز الشؤون الاجتماعية بما يحفظ كرامة النساء.

وترى نجا من جهتها أن “الحل يتطلب تضافر جهود بين كافة المعنيين ولاسيما وزارات الشؤون الاجتماعية والاقتصاد والصحة، والهيئة الوطنية لشؤون المرأة، إضافة إلى جمعيات ومنظمات المجتمع المدني المحلية منها والدولية، حيث بإمكانها أن تتعاون فيما بينها، من أجل تأمين هذه المنتجات بأسعار منخفضة جداً وربما بشكل مجاني، وفي الوقت نفسه على الجمعيات التي تقوم بتقديمات للسكان في لبنان، أن تشمل الدورة الشهرية بهذه التقديمات بدلا من حصرها بالمواد الغذائية، وليس فقط فوط صحية بل أيضاً غسول خاص وغيرها من حاجات المرأة في الدورة الشهرية، ويجب وضع خطة وطنية للاستجابة لحاجات النساء لا سيما الصحة الجنسية والإنجابية والدورة الشهرية.”

أما الشق الثاني من الحل بحسب عواضة فهو متعلق بالثقافة، فـ”التابو” والوصمة من أبرز العوامل المؤدية إلى “فقر الدورة الشهرية”، حيث يؤدي إلى الخوف وعدم الجرأة على التحدث بالأمر ما يقف عائقاً أمام تلقي النساء للنصائح الصحية والحلول الطبية عوضاً عن البدائل غير الصحية.

وقد أظهرت الدراسة أن 74% من النساء والفتيات لا يشعرن بالراحة عند مناقشة موضوع الدورة الشهرية مع الذكور، فيما 77٪ منهن لا يشعرن بالارتياح عند مناقشة هذا الأمر مع والدهن أو أصدقائهن. عليه ترى عواضة أنه من واجب الدولة التثقيف عبر مؤسساتها الصحية والتربوية إلى هذا الأمر البيولوجي الذي يحصل مع كل النساء، وعلى مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية الضغط أكثر والتوعية، “ولكن لا يمكننا ان نستمر فقط بتوزيع الفوط، ولا يمكننا أن نحل محل الدولة فهذه حاجة شهرية وليست موسمية او سنوية وبالتالي إن لم تجد الدولة حلا مستداماً وطويل الأمد، ستكون النساء في لبنان أمام وضع كارثي.”



الحرة