راجح الخوري - النهار

السياسيون حفّارو القبور! – راجح خوري – النهار

المسؤولون عندنا لا يقرأون، وإن قرأوا مثلاً عنواناً في أي وسيلة إعلامية عربية او دولية يقول بالحرف: “لبنان … أهلاً بكم في العصر الحجري”، فانهم لا يخجلون أو يحسّون بالعيب والإحراج ولا يتصبّبون عرقاً، مع انهم يعرفون جيداً ان لبنان صار نتيجة انانياتهم مغارة وكهفاً، وان اللبنانيين عندهم ليسوا اكثر من كمية من البشر الخانعين، ما داموا يرضخون لكل فصول مسلسل الإذلال والقهر والتجويع، الذي يعرّضونهم له من دون ان يهبّ الناس دفعة واحدة، لجعل البلد ساحات لجرّ المسؤولين وإلقائهم في براميل النفايات، وتعليقهم حفاة عراة على أعمدة الكهرباء.

ذات يوم تأخر القطار في طوكيو خمس دقائق عن موعد مروره، فشاهدنا في اليوم الثاني وزير النقل وأركان وزارته يقفون وهم يحنون رؤوسهم عشر دقائق خجلاً أمام مواطنيهم، ولا بد ان هذه الحادثة قد وردت الى ذهن السفير الياباني في بيروت تاكيشي أوكوبو، الذي عاش في كهف الدولة اللبنانية المظلم مساء يوم الجمعة عندما انقطعت الكهرباء في مقر إقامته، مما اضطره الى ان يكتب: “إنقطعت الطاقة الكهربائية في مقر اقامتي منذ الصباح الباكر، وقيل لي إنه لا يوجد احتمال لاستئناف امدادات الطاقة، ولهذا انصبّ كل تفكيري على وضع المستشفيات والعيادات”!




ولكن هل اتصل مسؤول من الخارجية او من وزارة الطاقة بالسفير معتذراً؟ قطعاً لا، فالبلد الذي يتوالى على شركة الكهرباء فيه وزراء يشرقطون وعوداً فارغة، والذي ينفق على تلك الشركة الخردة 45 ملياراً من الدولارات، وننتهي باكتشاف مزرعة لتفقيس الصيصان فيها ذات يوم، ليس من الضرورة ان يعتذر او ان يتصل ادبياً على الأقل!

لكن عندما كان السفير الياباني يقول ان أفكاره ذهبت لتتساءل عما يعانيه المرضى ومصابو الكورونا في المستشفيات، كان في وسعك ان تكتشف فعلاً انك في بلد المعتوهين عندما تقرأ ما نشر من انه: “أجيز للحكومة الإنضمام الى اتفاقية امتيازات وحصانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية”، هكذا بالحرف رغم انه جاء علينا حين من الدهر الأسود جعلنا كهفاً للبدائيين ليس فيه لمبة تضيء في رأس مسؤول ولا حتى شموع تذوب خجلاً امام هذا العيب غير المسبوق، فعن أي حكومة يتحدثون وعن أي حصانات وامتيازات وطاقة ذرية يجعدنون؟

لكن الأمر لا يتوقف عند الكهرباء بل عند الإتجاه سريعاً الى سقوط كل معالم العصر، ذلك ان مؤسسة مياه لبنان الجنوبي كشفت الجمعة انها ستبدأ بتقنين المياه الى الحدود الدنيا، لأن الكميات المتوافرة لا تكفي إلا لفترة قصيرة جداً ستتوقف بعدها كل منشآتها ومحطاتها عن ضخ المياه وتوزيعها بسبب #انقطاع الكهرباء، كما أعلنت مؤسسة مياه لبنان الشمالي، حال الطوارئ القصوى وبرامج تقنين تطاول عمليات ضخ المياه وتوزيعها، وعند هذا لا داعي لأن يشرب المواطن او يغتسل، ولكن في وسعه مع انقطاع الكهرباء والماء ان يعود فعلاً الى العصر الحجري فيقيم موقداً ويشعل تحته ناراً بقدح الصوان، وان يطارد “الحيوانات” وما اكثرها لتأمين طعام عياله.

اما الدكتور فراس ابيض وزملاؤه، فمع انقطاع الكهرباء، وهو موعد مظلم سنصل اليه قريباً، فليس عليهم البحث عن الأوكسيجين والممرضات، بل عن التوابيت وحفّاري القبور، والسياسيون عملياً وأخلاقياً هم أولئك الذين يقولون انهم المسؤولون عن هذا القفر المتوحش، الذي كان منارة آسيا فجعلوه كهفاً للبدائيين!