البيطار ينجو من فخ البرلمان: السلطة تحمي المشبوهين

نادر فوز – المدن

لن يزوّد المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت هيئة مكتب مجلس النواب ولجنة الإدارة والعدل والنيابية بأي قصاصة إضافية، متعلّقة بالتحقيق والادعاء على النواب. وقد أبلغ البيطار الهيئة النيابية المعنية بهذا الأمر قراره، مع تأكيده على أنّ أي خطوة في هذا الاتجاه تضرب سرية التحقيق. فيمكن القول إنّ طلب هذه الهيئة النيابية الحصول على “خلاصة الأدلة الواردة في التحقيق وجميع المستندات والأوراق التي تثبت الشبهات على النواب المدعى عليهم”، كان أشبه بفخّ نصب للقاضي البيطار. لكنّه في الوقت نفسه، مخرج مؤقت لمنع إسقاط الحصانات عن هؤلاء النواب، بانتظار بلورة التوصية المطلوب رفعها إلى الهيئة العامة لمجلس النواب، من أجل التصويت على الموضوع. لكن يبقى السؤال، كيف يمكن للكتل النيابية الرافضة لاستدعاء النواب علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق، التعامل مع طلب البيطار؟




صلاحية واختصاص
تشير مصادر حقوقية مواكبة للملف إلى أنّ هيئة مكتب مجلس النواب وأعضاء لجنة الإدارة والعدل أخطأوا حين ناقشوا، يوم الجمعة الماضي في عين التينة، موضوع رفع الحصانة عن النواب المدعى عليهم. هذه المصادر، التي تعدّ طرفاً في ملف المرفأ، تقول إنه “كان على الهيئة المعنية مناقشة موضوع الاختصاص وصلاحية محاكمة وزراء سابقين أمام المجلس العدلي”. فالنقاش بموضوع رفع الحصانات، وضع مجلس النواب بمختلف كتله النيابية في مواجهة مع الناس. في مواجهة مع أهالي الضحايا والشهداء، وفعلياً بات في موقع من يحمي أعضاء فيه في أكبر جريمة ارتكبت في لبنان يوم 4 آب 2020.

حماية النواب
وحسب مطّلعين على أجواء الكتل النيابية، فإنّ رفع حجة “الصلاحية” واختصاص المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء (حسب المادة 70 من الدستور) لن تتأخّر في الظهور عند أقرب فرصة. وبالتالي، يكرّس هذا المسار المفترض أن تتبعه الهيئة النيابية المختصة مبدأ المماطلة الذي انطلق يوم الجمعة الماضية. في حين يمكن لهذه الهيئة القول إنها حاولت البحث أولاً في موضوع الحصانات، ووجّهت الطلب بالحصول على الإثباتات ولم تحصل عليها، لتعيد وتعوّم موضوع الصلاحية وتقدّم حجّة قانونية لعدم رفع الحصانات عن النواب المعنيين. فتكون قد وصلت إلى القرار الذي تريده، في حماية النواب والوزراء السابقين المدّعى عليهم، وعدم تقديمهم على مذبح القاضي طارق البيطار.

قاضٍ عطوف
يوماً بعد آخر، يتوضّح أنّ التعاون سينعدم بين المنظومة الحاكمة والقاضي طارق البيطار. حتى أنّ الملاحظات على المواد التي ادّعى بها المحقق العدلي على المسؤولين السياسيين والقادة الأمنيين تركت العديد من علامات الاستفهام عند حقوقيين مقرّبين من السلطة. يشير هؤلاء إلى تعارض في ادعاء البيطار “إذ يشمل ادعاءه القتل عن عمد والقصد الاحتمالي، في الوقت نفسه، في حين أنّ المحاسبة على جرم الإهمال الوظيفي من صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء”. وتتطوّر الحملة على البيطار، إذ يقول بعض من يدورون في هذا الفلك إنه “معروف عن البيطار تعاطفه مع الناس. أحكامه فيها الكثير من التعاطف، وفي القضاء لا مكان للعاطفة. العاطفة لا يمكن أن تأتي على حساب العدل والقانون ومواده”. فهل بات الحكم لصالح طفلة بترت أعضاؤها تهمة؟ هل حكم الإعدام لقاتل علني في الشارع مذلة؟ هل هذا عطف أم تحقيق للعدالة؟

البيطار، ليس مكبّل اليدين. مواجهته مع السلطة بدأت قبل 10 أيام ولم تنته بعد. عدم مثول المسؤولين السياسيين والقادة الأمنيين أمامه تعزّز شكوكه فيهم والاشتباه بهم. يمكنه أن يصيغ كل هذا في قراره الظنّي المفترض أن يبصر النور بعد أسابيع. هو لن يستخدم صيغة “ما خلّوني”، ولم يهادن أو يحاول التوصّل إلى تسوية مع السلطة والمدعّى عليهم. وحين يصدر قراره الظني تصبح الكرة في ملعب القضاء الأوسع. ويبقى الأهم خلال الفترة المقبلة، أمران:

أولاً، قرار التوقيف أو ترك الضباط السابقين الذين سيستمع إليهم البيطار بعد انتفاء حجة تغيّب موكلّيهم القانونيين بسبب إضراب نقابة المحامين. فيمكن لهذا القرار أن يحسم وجهة البيطار في ما يخص كل المسؤولين السياسيين والقادة الأمنيين المدعى عليهم في الملف.

ثانياً، علنية جلسة الهيئة العامة لمجلس النواب عند مناقشة رفع الحصانات عن النواب، إذ تتوضّح الكتل النيابية المشاركة في حماية المدّعى عليهم.