إنفراجات البنزين: للمحظيين أولًا وإلى سوريا طبعاً

سادت الوعود بانفراج أزمة المحروقات، مع تفريغ حمولة البواخر الراسية قبالة الشاطىء، بعد تأمين الاعتمادات الدولارية اللازمة لتغطية سعر الحمولة. وتختلف أعداد البواخر ويبقى السبيل لتأمين المحروقات واحد. وكذلك تبقى آلية توزيع الشحنات خاضعة للمحسوبيات والوساطات، بعد اختزال تأثير التهريب والتخزين، إذ يُعتَبَر ذلك السبب الرئيسي لشح المحروقات في السوق. ولا تّصْدق الوعود إلاّ بالنسبة للمحظيين المدعومين سياسيًا أو ممّن يملكون علاقات شخصية مع أصحاب المحطّات. والمجموعة الأخيرة تواجه تقنينًا في تلبية احتياجاتها مع ارتفاع الطلب على المحروقات، وتضييق الخناق على المحطات مِن قِبَل القوى الأمنية. على أن التضييق لا يعني قطع الطريق نهائيًا.

بين أبو شقرا والبراكس
يتناوب ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا وعضو نقابة أصحاب المحطات جورج البراكس على تطمين اللبنانيين بأن أزمة المحروقات إلى انفراج، وإن متقطّع. فكلّما اقترب إقرار مصرف لبنان دعم شحنات المحروقات، تراجع الضغط النفسي لدى أبو شقرا والبراكس. ليعود الضغط بعد فترة لا تتجاوز الأسبوعين. فالشحنات المفرغة غالبًا ما تختفي آثارها بعد نحو 14 يومًا، ومصرف لبنان لا يزيد كمية الدولارات المخصصة لدعم المحروقات لعدة أسباب، أهمها شح الدولارات لديه وعدم رغبته في تجاوز آخر الخطوط نحو الاحتياطي الإلزامي، من جهة، وارتفاع معدّل الاستيراد مقارنة مع العام الماضي والعام الذي سبق، من جهة أخرى (بسبب التهريب طبعاً). وهنا، يرى مصرف لبنان أن الكميات المستوردة تفيض عن حاجة السوق، ولا داعي لدعمٍ إضافي. لكن يغيب عن بال المصرف المركزي أن حجم الاستهلاك في الأزمات، يرتفع مقارنة مع حجم الاستهلاك خلال الأيام العادية. كما أن الجزء الأكبر من المحروقات المستوردة يذهب نحو سوريا عبر معابر التهريب، وكلّما بيعت كميات إضافية في سوريا بأسعار أعلى، كلّما باتت الحاجة للاستيراد أكبر. والمركزي يعلم خبايا التهريب، لكنه لا يريد إدراج هذه الحقيقة ضمن تبريراته لعدم زيادة دولارات الاستيراد. ومهما اختلفت الأسباب، فالنتيجة واحدة، وهي استمرار شح المحروقات، سواء وافق المركزي على توفير الدولارات بحسب طلبات الاستيراد، أم حصرها بما يراه مناسبًا من أرقام.

على أن البراكس، يقرّ بوضوح أن أي نوع من محاولات توفير المحروقات، لن ينعكس تحسنًا في السوق ما لم توضَع آلية فعّالة لضمان التوزيع العادل للمحروقات بين المناطق، وخاصة الأطراف في الجنوب والبقاع وعكار. وللمفارقة، هذه المناطق هي الأكثر عرضة للتهريب والتخزين.




أولاد الست وأولاد الجارية
تتوزّع الكميات المتوفرة على المحطات وفقًا للنفوذ السائد في كل منطقة. والمنتظمون في الطوابير، يدركون هذه المعادلة، فيسأل أحدهم زميله في الانتظار، عمّا إذا بدأ موظّف المحطة بتعبئة البنزين، فيومىء الزميل برأسه إيجابًا، فيتعجّب السائل عن سبب عدم تحرّك الطابور، لتأتي الإجابة بأن “البَهَوات بيعبّوا قَبل”، في إشارة إلى النافذين في القرية، والمحسوبين على التنظيم السياسي المسيطر. فهؤلاء لا ينتظرون في الطابور، بل يركنون سياراتهم أمام خرطوم البنزين، ويملؤون سياراتهم بأكثر من الكمية المخصصة لباقي الناس.

والبهوات هم علية القوم في المجتمعات الاقطاعية. يملكون القرار ولا يخضعون لأي ترتيب أو نظام محلّي. وهكذا حال البهوات الجدد في عهد طوابير البنزين.

هل من حلول ناجحة؟ لا تشير المعطيات إلى أي حلول، على الأقل في المدى القريب. فالقوى السياسية إما مستفيدة من التهريب أو من الفوضى العامة في البلاد لأغراض سياسية أو خدمة للدول المرتبطة بها. أما السلطة المحلية، وعلى رأسها البلديات، فهي إبنة السلطة السياسية، أي إبنة الفوضى والمحسوبيات وتقسيم الناس بين بهوات وعامة الناس، وتقسيم عامة الناس بين “أولاد سِتْ وأولاد جارية”.



المدن