عقل العويط - النهار

رعاديد جبناء أبناء رعاديد جبناء – عقل العويط – النهار

مَن يعمل في الشأن العامّ من أهل الكِبَر والكرامة والشرف (والاخلاق)، لا يخشون شيئًا وأحدًا، بل يخرجون إلى الناس مرفوعي الرؤوس، ويعيشون بينهم، ولا يخافون حسابًا أو انتقامًا.

أمّا هم – وأقصد السياسيّين والمسؤولين والحكّام – فيحتلّون الحياة، ويشغلون المراكز، ويمتلكون السلطات، والوسائل والأدوات، لكنّهم يعيشون تحت الخوف، تحت الهلع، تحت سقوف الرعدة والرعب. فلا يتجاسر الواحد منهم أنْ يستقيل من منصب، أو أنْ يمثل أمام قاضٍ نزيهٍ شجاع، أو أنْ يرفع “حصانةً” عن نفسه، بل يحتمي بها، ويتمترس خلفها، ويفعل المستحيل من أجل تحصينها و”تدشيمها”، وتفخيخ الأرض وما عليها، منعًا للوصول إليها. وإذا خرج أحد هؤلاء من بيته، وبعضهم لا يخرج البتّة، فهو يسيّر خلفه وأمامه الأزلام والسيّارات المصفّحة والرشّاشات والمخابرات، ويحوّل السير، ويقطع الطرق، ويتخفّى، ويتلثّم، لئلّا يبصق عليه شخصٌ صاحب كرامة، أو تلعنه امرأةٌ جريئة، وتدعو عليه، وتلعن سلالته الماضية والحاضرة والمستقبلة.




سلطةٌ جبانةٌ وسافلةٌ وحقيرةٌ وخسيسةٌ كهذه، برجالها وكراسيها ومواقع نفوذها، يجب ألّا يخافها أحد.

الحكّام لا يجوعون، ولا يفتقرون، ولا يمرضون، ولا يموتون جوعًا وفقرًا ومرضًا، في حين أنّ الناس هم الذين يعانون، ويموتون بسبب ذلك. نعم، هذا صحيح.

لكنّ المفارقة الكبرى أنّ الحاكم – لا الجائع – هو الخائف، وليس العكس. إنّه يخشى بصقة الناس، ولعنتهم، واحتقارهم له، وخشيته من الخروج إليهم بدون “حصانة”.
لا تصدّقوا أنّ الحاكم والمسؤول والسياسيّ شجاعٌ وقويّ. إنّه “قويٌّ” حقًّا، لكن بالسلبطة والبلطجة، وليس بالشجاعة. هو “قويّ” لأنّه يسخّر العدالة والقضاء والقانون والسلطة والمسؤوليّة، ويمتطيها، معتزًّا بتمريغها، وبجعلها جاريةً في خدمة سعادته. في الحال هذه، هو فقط بلا أخلاق، وحقيرٌ، ورعديدٌ جبان. وابن جبان.

سنواجه في المقبل من الأيّام ظروفًا أصعب من هذه الظروف، وأحوالًا أشدّ شقاءً ومرارةً وإذلالًا، حيث سيوغل الحكّام والمسؤولون والسياسيّون في الغيّ، وربّما في الجنوح نحو “أعمالٍ” أخرى، قد تكون أكثر خطورةً ورعونة. لا بدّ من التحسّب لذلك، بالتمسّك بالبطولة الأخلاقيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والوطنيّة، مكتفين بالخبز والزيتون ليس إلّا… وفقط حين يتوافر الخبز والزيتون.

صدِّقوني، هم جبناء، رغم أنّهم “أقوياء”. المسألة مسألة وقت. اكتموا الهواجس، ومسِّدوا صرخات العجائز والأولاد والأطفال، وكابِروا. إنّها أيّامٌ صعبة، ويجب أنْ تمرّ. وهي لا بدّ أنّ تمرّ.

الجبان يخاف ويرتكب. وهو سيخاف أكثر، كلمّا ازددتم منعةً ومناعةً وكِبِرًا. وهو، في هذه الحال، لا بدّ أنْ يرتكب. وآنذاك، سيكون لكلّ حادثٍ حديث. إنّها مسألة وقت فحسب.