لميقاتي مطالب وبرّي والحريري ينتظران موافقة “الحزب” عليها

سركيس نعوم – النهار

أوائل الأسبوع الماضي وأواخر الأسبوع الذي سبقه كان الموضوع الحكومي لا يزال يُراوح مكانه، وكان التردُّد سيِّد الأحكام عند الرئيس المُكلّف وكذلك الترجُّح بين الاعتذار الفوري أو الاعتذار الذي يُبرِّره تقديمه تشكيلة حكوميّة إلى رئيس الجمهوريّة لا تنال موافقته فيُبلغه تخلّيه عن التكليف ويُبلغ اللبنانيّين ذلك من قصر بعبدا أو ربّما من خارجه. هذا ما يقوله مُتابعون جديّون من العاصمة بيروت للحركة السياسيّة المحليّة وللتدخُّل الخارجي في الأزمة الحكوميّة، بل في الانهيار الشامل لدولة لبنان من أجل إنهائها وبدء مسيرة إنعاش البلاد لإيقاظها من الغيبوبة التي يعني استمرارها وقتاً طويلاً أنّها صارت في حال موتٍ سريري. يُضيفون إليه أنّ الحريري بدأ يميل إلى الاقتناع بأنّه بدأ استعادة تأييد الشارع السُنّي اللبناني له جرّاء المواقف التي اتّخذها منذ تكليفه قبل نحو تسعة أشهر، أي التمسُّك به وعدم الاعتذار عنه تحت الضغوط الكبيرة التي مارسها عليه الرئيس عون ورئيس “تيّاره الوطني الحر” النائب جبران باسيل وعدم تأليف الحكومة التي يريداها والحكومة التي يريدها هو طبعاً بسبب رفضهما وتشدُّدهما. لكنّهم يُؤكّدون أنّ الحريري يعرف أنّ عليه أن يؤلِّف الحكومة المُنتظرة جرّاء تأييد “حزب الله” وشريكه في “الثنائيّة الشيعيّة” رئيس مجلس النواب نبيه برّي تكليفه هذه المهمّة وتمسّكهما به رغم العقبات الكثيرة التي وضعها في طريقه لتعجيزه وإحراجه فإخراجه “الديو” أي الثنائي عون باسيل، وإن كان لكلٍّ منهما أسبابٌ قد تختلف عن أسباب الآخر.




ويؤكّدون، أي المتابعون أنفسهم، في الوقت نفسه أنّ نجاحه في العودة إلى “السراي” على رأس حكومة مكتملة عدداً وإن غير مكتملة الأوصاف التي تُشجِّع المجتمع الدولي على الانخراط الجدّي في مساعدة لبنان على الحدّ من الانهيار وعلى وضع البرنامج التدريجي للشفاء منه، يؤكّدون أنّه سيُودي بحياته السياسيّة. ويُرجّحون كثيراً معرفته هذه الحقيقة المؤلمة. كما يُرجّحون معرفته أنّ عدم تأليفه الحكومة وتمسُّكه بالتكليف وتصميمه على الاستمرار في رفض الاعتذار لن يُنجّيه من تراجعٍ سياسي كبير. لذلك قد يكون الحريري ميّالاً الآن إلى الانتظار بضعة أشهر والاستعداد خلالها وبالتفاهم مع “حزب الله” وشريكه برّي لتأليف حكومة انتخابات أي حكومة تُجري الانتخابات النيابيّة في موعدها الدستوري خلال شهر أيار المقبل أو قبله بقليل احتراماً لشهر رمضان المبارك وتلافياً لإزعاج الصائمين وخربطة البرامج الرمضانيّة الدينيّة والعباديّة. لا يعني ذلك طبعاً أنّ الحريري سيكون رئيس حكومة الانتخابات، وأنّ “تيّار المستقبل” الذي يتزعّمه سيُشارك فيها واستطراداً كل الأحزاب والتيّارات السياسيّة الأخرى. لكنّه يظنّ أنّ الانتخابات النيابيّة المقبلة ستُعيد إليه مجده النيابي والسياسي. لكن المتُابعين أنفسهم يقولون أنّهم ليسوا واثقين من أنّ النتيجة ستكون مُشرّفة له على هذا النحو. فالسنة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة عليه كما على الطبقة السياسيّة المُتنوّعة برمّتها. فالوضع الداخلي يُرجَّح أن يتفاقم انهيار لبنان على كلِّ صعيد وأن يكتمل شلل وفشل وسقوط دولته مع دستورها وميثاقها الوطني، كما أن يترسَّخ استقرار شعوبه في مراتب الفقر والعوز وقادته في مراتب الفساد. من شأن ذلك جعل إنقاذه مُستحيلاً، إذا لم يترافق هذا الأمر مع تطوّرات إيجابيّة إقليميّة – إقليميّة ودوليّة – دوليّة ولاحقاً إقليميّة – دوليّة تفتح طريق الاستقرار ليس أمام لبنان وحده بل المنطقة كلِّها. علماً أنّ لا شيء يضمن منذ الآن حصول الاستحقاقين الدستوريّين الأكثر أهميّة وضرورة في العام المقبل أي الانتخابات النيابيّة ثمّ الرئاسيّة.

هل تختلف المعلومات الحكوميّة الآن عن معلومات الأسبوع الماضي وأواخر الأسبوع الذي سبقه؟ نعم يُجيب المتابعون أنفسهم، وهي لا تقتصر على الأزمة الحكوميّة وتطوِّراتها. بل تشمل إليها التحقيق القضائي الذي يقوم به المُحقِّق العدلي بيطار في انفجار مرفأ بيروت أو تفجيره في الرابع من شهر آب الماضي. في هذا المجال تُفيد معلوماتهم أنّ الموقف المُتشدِّد من هذا الأمر الذي كرّره الأمين العام لـ”حزب الله” السيّد حسن نصرالله في آخر ظهور تلفزيونيٍّ له وبلهجة قويّة يعني وجود استعداد لوقف “سيناريو” التحقيق الحالي أو بالأحرى تعديله، بحيث يُلبّي ما طلبه “السيّد” وأبرز ما فيه نشر التقرير التقني عن الجريمة كما سمّاه. يعني أيضاً الاعتماد على شريكه في “الثنائيّة الشيعيّة” من أجل “التدقيق” أكثر في طلب المُحقِّق العدلي بيطار رفع الحصانة عن نوّاب ثلاثة مُشتبه في مسؤوليّة لهم يوم كانوا وزراء عن قضيّة نيترات الأمونيوم وتحديداً دخولها لبنان وتخزينها في مرفأ بيروت والتغاضي عن خطرها كما عن استعمالها المُتكرّر في مناطق أو دول خارج لبنان. طبعاً لا يزال سابقاً لأوانه “اتّهام” مجلس النوّاب بالسعي الجادّ لتعطيل رفع الحصانة. لكنّ الحصافة تقتضي استمرار متابعة هذا الموضوع بدقّة من كل الجهات والأطراف المعنيّين به داخل لبنان وخارجها.

أمّا في الأزمة الحكوميّة فإنّ معلومات المتابعين أنفسهم تُشير إلى أنّ تفاهماً حصل بين الرئيس برّي والرئيس المُكلّف الحريري على أن يخلف الأخير في رئاسة الحكومة بعد اعتذاره الرئيس #نجيب ميقاتي، كما يُشير إلى بدء البحث الجدّي بين الثلاثة حول عقبات الحكومة الجديدة ومهمّاتها، كما حول “شروط” ميقاتي لدخول هذه المعمعة. يبدو أنّ البحث جارٍ بهدوء حول هذا الأمر. علماً أنّ ميقاتي غادر الى اليونان وأقفل خطوط الاتصال بينه وبين لبنان السياسي إلّا مع الجهات التي تتولّى تذليل العقبات وتدوير الزوايا تسهيلاً للاعتذار ثمّ التكليف فالتأليف. وقد برّر سفره برغبته في درس الموضوع بعيداً من ضغوط الوضع السياسي والشعبي اللبناني. يبدو استناداً إلى المتابعين أنفسهم أنّ ميقاتي طلب لقبول هذه المهمّة ضماناً بحصول حكومته على مساعدات ماليّة واقتصاديّة ومن كلٍّ نوع آخر يحتاج إليه لبنان من الخارجَيْن العربي والدولي. وطلب ضمان عدم وضع الرئيس عون وصهره النائب باسيل العصي في دواليب مهمّته الحكوميّة إذا قبلها كما فعلا مع الرئيس الحريري. أمّا شرط عدم ترشُّحه للانتخابات النيابيّة لأنّ حكومته ستُشرف عليها وهو شرط يطرحه البعض في البلاد، فلا يزال غير محسوم عند ميقاتي داخل عائلته وخارجها رغم وجود ميلٍ وإن غير ثابت حتّى الآن لعدم التمسّك بالنيابة، ولا سيّما بعدما صار ميقاتي مرجعيّة سياسيّة وسُنيّة في البلاد سواء دخل المجلس النيابي المقبل أو بقي خارجه.

ما هو موقف “حزب الله” من هذا “الاتفاق” غير الرسميّ وربّما غير النهائي بين الرئيسين برّي والحريري؟ المعلومات المتوافرة عند المتابعين أنفسهم تُفيد أنّ “الحزب” لم يُحدِّد موقفه من هذا الأمر بعد ولا يزال مُتريّثاً، إذ لديه مشكلة لا بُدّ من حلِّها قبل اتّخاذه قراراً نهائيّاً في هذا الموضوع وهي تتمثَّل بالرئيس ميشال عون. في الانتظار، تُفيد المعلومات نفسها، أن الرئيس المُكلّف الحريري سيغادر قريباً وربّما في الخامس عشر من الشهر الجاري بيروت إلى القاهرة لإبلاغ الرئيس المصري أو وزير خارجيّته أنّه قرَّر الاعتذار عن تأليف الحكومة، وربّما الخوض معها في مرحلة ما بعد الاعتذار (ميقاتي أو غيره). هذا ما فعله وسيفعله مع عرّابَيْن آخرَيْن له هما دولة الامارات العربيّة المُتحدة ورئيس “أمل” ومجلس النوّاب نبيه برّي.