نبيل بومنصف - النهار

عن أي “حصانات” تتحدثون ؟ – نبيل بومنصف – النهار

لولا بقايا “لياقات” شكلية لا تزال تجرجر ذيولها في الواقع السياسي وهيكلية الدولة المهترئة لما كانت تصح سوى السخرية الهازئة التي يتقنها نجوم المسرح الهزلي في مقاربة مسألة رفع #الحصانات عن المسؤولين نوابا ووزراء حاليين وسابقين وانتزاع موافقات على ملاحقات مسؤولين إداريين وأمنيين في ملف جريمة انفجار مرفأ بيروت . لن يجدي نفعا في حسم هذا الجانب الجوهري من قضية مزلزلة بهذا الحجم ان تمتلىء الوف من صفحات اللبنانيين على مواقع التواصل الاجتماعي بشعارات الحض على رفع الحصانات . “لو بدها تشتي غيمت ” في ما يتعلق بالضغط الشعبي ووسائله المتبعة منذ ما قبل انفجار المرفأ وبعده في تظهير حالة العراء الشعبي للسلطة القائمة بكل مكوناتها السياسية .

فالنمط الاحتجاجي السائد منذ ما بعد الموجات الأولى لانتفاضة 17 تشرين الأول 2019 غرق هو الآخر في مأزومية عميقة لا ندري ، ولا نزعم أصلا “الاستذة” عليها ، ما اذا كان ممكنا إعادة اتباع خطط مختلفة لاستنقاذ الانتفاضة وإطلاقها بزخم قبل التحاقها بلوائح ضحايا الكارثة المتدحرجة الأخذة في سحق كل شيء . مع ذلك لا يتعين طمس حقائق مبدئية وعملية وبالغة الأهمية ربما لم يعد اللبنانيون يقيمون كبير اعتبار لها لفرط يأسهم وقنوطهم وتعبهم تحت وطأة يوميات القهر والإذلال والافقار ولكنها حقائق ستكون على الأقل في أساس تعامل المجتمع الدولي مع الطبقة السياسية في لبنان ونظرته اليها الى سنين طويلة أتية أيا سيكون عليه لبنان ما بعد الزلزال الحاصل .




لم تكن الطبقات السياسية التي تناوبت على حقبات الحرب ومن ثم في ظل عصر الوصاية السورية ، بمعظمها طبعا ، في واقع وسمعة افضل بكثير من صورة الطبقة الحالية ، ودائما باستثناء قلة قليلة منها . حتى ان المفارقة المذهلة تكمن في ان القوى السياسية التي انخرطت في لعبة تقاسم السلطة مع النظام السوري الوصي على لبنان ، وهو الامر الأسوأ اطلاقا في نظرنا والاشد تدميرا من معالم الانهيار الحالي ، لم تعد تقاس راهنا امام انفجار واقع سياسي ومؤسساتي بكل معالمه وتكويناته امام تحلل لبنان بين ايدي هذه الطبقة الحاكمة والسلطوية وما لف لفها داخليا وخارجيا .

لذا لا تعود مسألة رفع الحصانات من الناحية الجوهرية مسألة ذات قيمة ولا تستأهل الصراخ الموجع والمؤلم والجارح لأي والدة او والد او ابن او شقيق او قريب او صديق او أي لبناني يعتصره قلبه لرؤية أقارب وأهالي ما يتجاوز ال200 شهيدة وشهيد سقطوا في 4 آب من العام الماضي . هؤلاء الذين تجري المطالبة برفع الحصانات عنهم او إعطاء الأذونات بملاحقتهم في التحقيق العدلي هم ،ويجب ان يكونوا بطبيعة الحال ، رهن #القضاء لاطلاق الكلمة الفصل للعدالة في شأنهم . لكن الأهم والأبعد من عشرات سيشملهم التحقيق ، ان “نجا” وبلغ بر كشف الحقيقة ولم يلتحق بدوره بعشرات ملفات جرائم الاغتيالات مثلا التي لا يزال فيها الفاعل مجهولا وسيبقى الى الأبد … الأهم ان يدرك اللبنانيون ان الحصانات من كل نوع وصنف ومرتبة قد سقطت سقوطا مبينا مخيفا ومريعا عن مجمل الهيكل السلطوي والسياسي المتورط حتى العظم في تقويض كل لبنان . لا تطالبوا برفع الحصانات عن طبقة سقطت كرامتها ولم يشعر رموزها بهذا الانهيار الأشد وطأة من كل الانهيارات ، ولكن نهاية هؤلاء لن تأتي للأسف الا من الخارج !