سمير عطا الله

بيروت… بُريدة… الجنة: خيبة العودة – سمير عطا الله – الشرق الأوسط

ذلك اليوم، ذلك العام، كان الحر فوق التحمل، كما يروي سليمان السعيد. وفي عز الظهيرة تثاقلت الشمس على الرجل فسقط في غيبوبة. وكان أقرب مستشفى قادر على معالجته في بيروت. وتكفلت الدولة نقل المصاب إلى مستشفى الجامعة الأميركية. والرجل الذي خانه حظه في الصحراء، عاوده على دبيب التكييف المنعش في رأس بيروت. وبعد أربعة أيام شعر الأطباء أن الرجل بدأ العودة إلى الوعي، فتجمع طاقم منهم ومن الممرضات الحسناوات عند سرير «أبي محمد»، ليخففوا من صدمة اليقظة. فتح صاحبنا عينه اليمنى، فاليسرى، وكان المشهد واحداً: رجالاً بمعاطف بيضاء وسيدات بيضاً من أعلى إلى أخمص. ولم يكن الحجاب قد دخل الجامعة بعد، فبدا الجمال صريحاً.

فرك «أبو محمد» عينيه فركاً قليلاً. ثم كثيراً. ثم خامره شعور بالسعادة لم يعرفه من قبل. وراح يسمع ألحاناً خافتة، ولم يبق لديه شك. إنه في الجنة، وسيدات الأثواب البيضاء، طليعة الاستقبال المقرر لرجل فاضل مثله.




لكن الفيض من السعادة انقطع فجأة عندما خُيل له أنه يرى أيضاً ابنه محمد: ففرك عينيه مرة أخرى! وقال في صوت كئيب، فخوف من احتمال العودة إلى الأرض: «محمد يا ولدي، ويش جابك هني؟». تنبه رئيس الأطباء فجأة إلى ما يحدث وقال لمريضه، الملفوف عارياً برداء أبيض، المذهول سعيداً على أعتاب الجنة، «الحمد لله على سلامتك يا حاج. أنت عندنا في بيروت، وسوف نظل نعتني بك حتى الشفاء التام إن شاء الله».

عاد يتأمل سرب الممرضات. تقدمت إحداهن وانحنت تقبله على جبينه وتقدم له حبة دواء وكوب ماء. ودارت به الدنيا مرة أخرى. وخُيل إليه أن الحلم قد انتهى على نحو مخيب. إنها الحياة مرة أخرى. وغداً عليه أن يترك هذه السرب من الحوريات هنا لكي يعود إلى «أم البنين»، كما كان سعيد فريحة يشير إلى زوجته بعبارات يائسة، وهو يروي كل أسبوع، حكاية جميلة أخرى، تحض على الخطيئة وتملأ الدنيا شعوراً بالذنب.

يروي سليمان السعيد تلك «السالفة» ويضحك. ويستعيد هو ذكريات بيروت. ولا تفارقه الصورة الدائمة على هاتفه، أو بالأحرى صورتان، بالأبيض والأسود: صورة والده، وصورة أخيه الأكبر الذي أمضى أسبوعين ما بين النوق والباصات، يطلب العلم ولو في الصين.