حزب الله قلق من التقارب الفرنسي مع واشنطن والرياض ويستنفر ضد «دولة الانتداب»

في ظل الانشغال بترتيب مرحلة ما بعد اعتذار الرئيس المكلّف سعد الحريري وإيجاد البديل في رئاسة الحكومة، برز التحرك الأمريكي الفرنسي المشترك في اتجاه المملكة العربية السعودية من خلال زيارة السفيرتين المعتمدتين في لبنان إلى الرياض للاجتماع بمسؤولين سعوديين مسؤولين عن الملف اللبناني بهدف تقديم مساعدات إنسانية عاجلة.

وجاءت زيارة السفيرتين استكمالاً للقاء وزراء خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن وفرنسا جان إيف لودريان والسعودية فيصل بن فرحان بما يؤشّر إلى اهتمام متجدّد بلبنان خلافاً لاتهامات رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب للعالم بممارسة سياسة الحصار والعقاب ضد لبنان. وتعتبر زيارة السفيرتين فريدة من نوعها إذ قد تكون المرة الأولى تزور فيها سفيرة معتمدة في بلد بلداً آخر لبحث قضايا البلد الأول. وتدلّ المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة عادت إلى الاهتمام ببلد الأرز بعد إهمال الملف في مرحلة الانتخابات الرئاسية، وهي تحثّ السعودية على إعادة النظر بقرار الانكفاء، الأمر الذي يعيد رسم مسار مختلف للأوضاع في لبنان ويعيد خلط الأوراق وخصوصاً بعد المشهد الذي برز في بكركي في مئوية العلاقة بين السعودية والبطريركية المارونية، والذي لم يرُق كثيراً لفريق الممانعة ولا لفريق العهد وتياره وللخيارات السياسية التي ينتهجها بالتقارب مع النظامين السوري والإيراني.




وفي الوقائع، يأتي كل هذا التحرك بعد لقاء الفاتيكان والصلاة التي خصّصها البابا فرنسيس للبنان، داعياً إلى عدم تركه»رهينة الأقدار». من هنا يُفهم حزم السفيرتين الأمريكية والفرنسية حقائبهما والتوجّه إلى الرياض للبحث في خطورة الوضع اللبناني والعمل مع الشركاء الإقليميين للضغط على المسؤولين عن التعطيل من أجل الخروج من المأزق وإيجاد الحلول للأزمة الحكومية، وكان بيان السفارة الفرنسية واضحاً حول زيارة غريو عندما أكد أنه «من الملحّ أن يشكل المسؤولون اللبنانيون حكومة فعالة وذات مصداقية تعمل بهدف تحقيق الإصلاحات الضرورية لمصلحة لبنان» والذي أعقب رداً قاسياً من قبل السفيرة الفرنسية على اتهامات رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب للعالم بمحاصرة لبنان ومعاقبة شعبه تيمناً بكلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله.

غير أن هذا التحرك الفرنسي والأمريكي لقي امتعاضاً شديداً في أوساط حزب الله خصوصاً أن الأمين العام للحزب كان شنّ هجوماً عنيفاً على السفيرة دوروثي شيا «الشريكة بتدمير العملة اللبنانية» قائلاً «إنها تخرج وتنظّر على اللبنانيين فيما حكومتها هي من تمنع أي مساعدة للبنان» ومتهماً «الإدارة الأمريكية بأنها تهدّد بالعقوبات وتحاصر لبنان بهدف إثارة الشعب اللبناني وبيئة المقاومة على المقاومة».

وقد عكست قناة «المنار» التابعة لحزب الله الغضب من تحرك السفيرتين بكل وضوح عندما وصفته بأنه «انتداب سياسي كان في الخفاء وبات بكل وقاحة على العيان». ورأت «أن ذهاب دوروثي شيا وآن غريو إلى الرياض لنقاش الأزمة اللبنانية خبر ولا في الخيال السياسي أو الدبلوماسي، وما كان ليكون إلا عندما يذهب مندوب سام لدولة الانتداب للتفاوض بإسم أو على الدولة المنتدبة» وسألت «أين السياديون والأحرار والمنتفضون والثوار، وأهل الحمية السياسية وأسياد الجبل وكل أدعياء السيادة والحرية والاستقلال. ثم من سيبحث مع من وباسم من؟» مضيفة «أقل ما يقال انها فضيحة سياسية ودبلوماسية، لكنها تكشف من يعطّل ومن يفاوض ومن ينازل على هذا البلد الذي أهانت سفيرة فيه رئيس حكومته يوم طلب المساعدة، وتنصّب نفسها اليوم وصية على البلد وحكومته».

ولم تنته المسألة عند هذا الحد إذ إن جريدة «الأخبار» التي تدور في فلك الحزب خرجت بدورها لتحذّر فرنسا من اللعب بالنار. ورأت أن مشكلة فرنسا أنها «لم تتعلّم شيئاً لا من ماضي الاستعمار القديم ولا من محاولة إعادة الاستعمار المباشر قبل نحو أربعين سنة، ولا من كل ما مرّ عليها ومعها وبسببها في منطقتنا» معتبرة أن «فرنسا لا تزال فرنسا، بل هي من سيئ إلى أسوأ».

والواقع، أن حزب الله يعتبر وجود القوات الفرنسية من ضمن قوات اليونيفيل في جنوب لبنان فرصة لتوجيه الرسائل التحذيرية ولاسيما على عتبة كل تجديد لمهمة القوات الدولية في شهر آب/أغسطس. وآخر رسالة تحذيرية كانت رفض نصب أي كاميرا في منطقة الجنوب، لأن الحزب يعتبر أن نصب هذه الكاميرات هو لمراقبة تحركاته سائلة «هل يفكّر الفرنسيون لحظة بأن المقاومة في لبنان هي من يمنحهم فرصة التحدث إليها، بينما يقف العالم كله طالباً التواصل؟».

ويلاحظ الحزب في الفترة الأخيرة أن الانفتاح الذي أبدته فرنسا من خلال لقاء الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد مع رؤساء الأحزاب والكتل النيابية، بدأ يتقلّص كلما اقتربت باريس من واشنطن، وهو قلق من التقارب الحالي بين البلدين ومما يُطبَخ في الكواليس، ولاسيما أن الحزب وصلته أصداء مواقف أطلقتها السفيرة الفرنسية في بيروت وتدعوه إلى تسهيل الحلول وعدم الوقوف في وجه إجراء انتخابات نيابية بهدف تغيير الطبقة السياسية غير المؤهلة لتطبيق الإصلاحات ومحاربة الفساد.

وإذا كان الحزب قلقاً من التوجّه الفرنسي الجديد ويحاول الرد على طريقته على أي محاولة لفرض «وصاية دولية» من وجهة نظره، فهو أيضاً لم ينظر بإرتياح إلى لقاء مئوية العلاقة في بكركي بين البطريركية المارونية والسعودية وما تضمّنه من رسائل مشفّرة حول رفض تغيير الهوية اللبنانية والوجه العربي للبنان، وما يعنيه من احتمال عودة الرياض للتعاطي بالملف اللبناني بعدما انكفأت لفترة غير قصيرة.