الضغوط لإخراج الحريري تعمّق الانقسام الداخلي… “حزب الله” يراقب “التدخل الدولي” ويدعم عون!

ابراهيم حيدر – النهار

الصورة الأكثر وضوحاً في المشهد اللبناني اليوم تعكس عجز القوى السياسية الداخلية وأيضاً الخارجية عن إيجاد مخرج أو تسوية للأزمة المستفحلة على مستوى الحكومة وأيضاً ترتيب ما بعدها من استحقاقات. ويبدو أن السيناريو الاكثر ترجيحاً في ظل الاصطفاف السياسي والطائفي والاستعصاء الذي يتصدره موقع رئاسة الجمهورية وتياره، هو دفع الرئيس المكلف #سعد الحريري نحو الاعتذار وقبل ذلك الاتفاق إذا توفرت شروط دولية لذلك على آلية تشكيل حكومة مصغّرة لن تكون متاحة قبل ثلاثة أشهر على الأقل، مع حسم الاسم مسبقاً برضى الحريري نفسه، وموافقة الاطراف عليه بمن فيهم “#حزب الله” واستطراداً “الثنائي الشيعي”.




ولعل أبرز مؤشر على الوجهة الجديدة حول الحكومة، تركيز البطريرك بشارة بطرس الراعي على مسالة التكليف، واعتباره أنه ليس أبدياً، وهو بذلك يدفع رئيس الجمهورية #ميشال عون الى مزيد من الاستعصاء ويمنحه الغطاء اللازم لممارسة المزيد من الضغوط ضد الحريري، ليس لتشكيل الحكومة إنما لدفعه نحو الخروج والتوافق على اسم جديد. هذا التطور الجديد في موقف الراعي، ترجعه مصادر سياسية الى توفر معطيات لدى البطريرك الماروني تشير الى أن البحث عن مخارج للازمة خرج من أيدي اللبنانيين، كما أن الاجواء الخارجية الداعمة للحريري لم تعد كافية لاستمراره في التكليف وفق الشروط التي يضعها، إضافة إلى ما تناهى للراعي من كلام حو الموقف السعودي وتركيزه على سياسة لبنان الخارجية وضرورة التزامه القرارات الدولية وقرارات الجامعة العربية، حيث ابلغ الجانب السعودي، وفق المصادر، السفيرتين الأميركية والفرنسية في لبنان خلال زيارتهما الاخيرة، أن موضوع الحكومة لا يرتبط بالأشخاص ولا بشكل الحكومة ولا بآلية تشكيلها، بل الأهم هو ما تنتجه وكيفية تحديد سياستها الخارجية، ومشدداً على ضرورة تشكيل حكومة تنجز الإصلاحات وتوقف سياسة المحاصصة والفساد كشرط لتقديم المساعدات.

تعكس هذه الاجواء مخاوف حقيقية واعتراف بأن المرحلة المقبلة لبنانياً قد تكون أكثر سوءاً في ضوء تسارع الانهيار والعجز الداخلي عن التوافق على حد أدنى من التسوية لإنقاذ ما تبقى من البلد. لكن السيناريو المطروح في البحث عن مخرج حكومي، والذي يدرج ضمنه موقف البطريرك، لا يحمل الكثير من التفاؤل، إذ أن الضغوط التي تمارس على الحريري، بما فيها محاصرته داخلياً وبعض المواقف الخارجية منه خصوصاً الموقف السعودي، سيكون لها ارتدادات كبيرة، ليس في ملف التشكيل فحسب، بل على مستوى البحث في أي صيغة لبنانية داخلية تكرس الوقائع السياسية الراهنة وتعزز من صلاحيات الرئاسة الاولى. فمنذ الآن بدأ يبرز اصطفاف في البيئة السنية، يرفض جعل الحريري كبش محرقة كجسر لتشكيل حكومة بشروط عونية، وحتى لو كانت حكومة مصغرة مهمتها ادارة المرحلة المتبقية من عهد عون، وكذلك لو كانت تحت الرعاية الدولية لإدارة الانهيار، وهو ما سيجعل اختيار اسم جديد للتكليف والتشكيل عملية صعبة ومعقدة لن تحظى بالغطاء السني ما لم تلتزم الثوابت التي حددها الحريري في التكليف والتشكيل. لذا تظهر وجهة أخرى لم تكتمل معالمها بعد في ظل الاستعصاء الداخلي اللبناني على الحل وعلى تشكيل حكومة توقف مسلسل الانهيار المتتالي في البلد، وهي وضع لبنان تحت وصاية دولية أو بصورة أكثر تلطيفاً إدارة دولية للانهيار. وعلى هذا، بدا أن تشكيل الحكومة ومصيرها، معلق على حبال نتائج اتصالات الخارج لحل الاستعصاء الداخلي.

“حزب الله” بدأ يأخذ مسافة حول موقفه من تكليف الحريري. وعلى هذا يمكن فهم تصعيد السيد حسن نصرالله في خطابه الأخير ضد الأميركيين واتهامهم بمحاصرة لبنان في سياق أبعد وهو ما يؤثر أيضاً في تشكيل الحكومة، طالما أن الشروط والشروط المضادة الداخلية ترتبط بحسابات إقليمية إضافة الى البعد الداخلي الذي يتمثل بالدرجة الاولى في محاولات الرئيس ميشال عون دفع الحريري الى الاعتذار وعدم تمكنه أصلاً من إيجاد اسم بديل يقبل تحت سقف ما يضعه الحريري في موضوع التنازلات عن الصلاحيات والقرار. ففي ظل الخلاف الداخلي والحسابات الاقليمية، يتوقع أن تحدث مواجهة بين الدول التي بدأت تضع خططاً لمنع انهيار لبنان، وبين “حزب الله” وحلفاؤه الذين يرون في تدخل المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية تحديداً قوة تريد تحويل لبنان الى منصة دولية لاستخدامها ورقة في مواجهة محور المقاومة وتطويع لبنان ومحاصرته وتجويعه.

أعطى عون “حزب الله” ما يريده في ما يتعلق بملفات يرى فيها محاولات أميركية وفرنسية للضغط عليه ومرتبطة أيضاً بالمفاوضات النووية وبملفات المنطقة، وذلك عندما ابلغ ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة يوانا فرونيسكا أن “لبنان يرغب بالتمديد لقوات اليونيفيل العاملة في الجنوب، من دون تعديل في مهماتها وعديدها، واستئناف مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الجنوبية من دون شروط مسبقة. وقد سلّف عون الحزب موقفاً يريد تحويله دعماً لموقفه في الملف الحكومي ومن الحريري تحديداً، وهو يولّد انطباعاً أن الأزمات الداخلية مرتبطة بالخارج، إذ أن التجديد لقوات الطوارئ الدولية وتوسيع صلاحياتها، يعتبرهما “حزب الله” نوعاً من الضغوط الدولية التي تستهدفه.

انطلاقاً من ذلك، لا يمكن عزل الحراك الدولي حول لبنان عما يحدث في المنطقة، بدءاً بزيارة السفيرتين الأميركية دوروتي شيا والفرنسية آن غريو في لبنان إلى السعودية، إلى الكلام الدولي عن فرض عقوبات على شخصيات لبنانية معطلة للحل، من دون أن يكون ذلك مقدمة لتسييل مساعدات عربية ودولية للبنان، إلا في سياق إدارة الانهيار لمنع الانفجار الكبير وزوال الكيان. وهذا الحراك بملفاته المطروحة وتعثر مفاوضات فيينا النووية يدفع “حزب الله” إلى التشدد أكثر، ورفض تقديم أي تنازل، وهو ما ينسحب على الملف الحكومي بمزيد من التأزم الداخلي.

كل ذلك يشير إلى أن الحكومة ستبقى معلّقة الى أجل، فالاستعصاء اللبناني في ظل التدهور والازمة المستفحلة والانهيار، لن ينقذه تدخل دولي طارئ، وأقصى ما يمكن ان تذهب اليه الامور عقد مؤتمر دولي لبحث الازمة اللبنانية كما يطالب به الراعي ولا يمانعه ميشال عون، فيما الاتفاق على تشكيل حكومة سيمر بمخاض عسير لن يخرج إلا بمزيد من الخسائر للبلد المنهار.