السلطة السياسية تتهرّب من التحقيق في انفجار المرفأ

السلطة السياسية لا تريد التحقيق الذي يديره القاضي طارق البيطار في جريمة انفجار مرفأ ‏بيروت. فهي مدّعى عليها، مشتبه بها، وما هروبها من مواجهة القاضي سوى دليلٍ ‏على تورّطها. اتضّح خيار السلطة اليوم، أولاً من خلال رفض وزير الداخلية في حكومة ‏تصريف الأعمال محمد فهمي إعطاء الإذن بإستدعاء مدير عام الأمن العام اللواء عباس إبراهيم. وثانياً من ‏خلال إرجاء هيئة مكتب مجلس النواب ولجنة الإدارة والعدل البتّ في الطلب المقدم لرفع الحصانات عن النواب المستدعين علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق. وهذا يأتي ترجمة فعلية للموقف الذي أطلقه أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، يوم الإثنين ‏الماضي الذي اعتبر أنّ التحقيق يستثمر سياسياً.

حصانات النواب
بعد جلسة دامت لأكثر من ثلاث ساعات، أكد نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي أنه “بعد الاطلاع على طلب إذن ملاحقة ومراجعة المواد الدستورية والنظام الداخلي للمجلس وبعد نقاش مستفيض ننتهي للقول بوجوب طلب خلاصة عن الأدلة الواردة في التحقيق وجميع المستندات والأوراق التي من شأنها اثبات الشبهات”. وقال الفرزلي في اتصال مع “المدن” إنّ “الهيئة المشتركة ستعقد فور تزويدها بالجواب المطلوب اجتماعاً لاستكمال البحث وإعداد التقرير لرفعه إلى الهيئة العامة لمجلس النواب وفق الأصول”. وأضاف أنه “أساساً القرار بيد الهيئة العامة وليس بيد الهيئة”.




مقاربات ونقاشات
وحصلت “المدن” على مضمون ما دار في الاجتماع، حيث لخّصت المصادر النقاشات في جلسة عين التينة بالقول إنّ “النائبين المدعى عليهما زعيتر وخليل حضرا الاجتماع لكونهما عضوين في لجنة الإدارة والعدل، وقالا إنه تم الاستماع إليهما في الملف ولم يتم سؤالهما عن تفاصيل مسؤوليتهما ولا عن الدور المناط بهما نتيجة موقعهما الوزاري حينها”. أما المقاربة الأخرى غير المبررة وغير المدافعة عن النواب فقالت إنّ “الهدف من النقاشات هي البتّ بالطلب المقدّم وليس التماس اعتراف المدعى عليهم ولا معرفة ما دار خلال الاستماع إليهم”. فكانت التخريجة التي تمّت من خلال طلب الإثباتات والأسباب، كصيغة للمماطلة في تحويل الملف إلى الهيئة العامة لمجلس النواب.

مواقف الكتل
وفي هذا الإطار، قال رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان بعد الجلسة إنّنا “ككتلة الجمهورية القوية فقط من سجّلنا اعتراضاً على تأجيل موضوع رفع الحصانات وكنّا مع اتخاذ القرار اليوم”. بينما أشار عضو تكتل لبنان القوي النائب آلان عون إلى أن “هناك أحداً ما في الدولة مسؤول حكماً عن انفجار المرفأ ولا تجوز أي حصانة إلا في الإطار السياسي، وما جرى هو طلب مراسلة اضافية من القاضي وعلى ضوئها يتمّ اتخاذ القرار”. أما أمين سر “اللقاء الديموقراطي”، النائب هادي أبو الحسن، فشدد على أنه “يبقى الوصول إلى الحقيقة في انفجار المرفأ هو الاساس ولا بد من توفير كل الاجراءات القانونية وإزالة كل المعوّقات من أمام التحقيق للوصول الى هذه الحقيقة”.

أجواء قصر العدل
توالت منذ الصباح الأخبار المقلقة الصادرة عن السلطة السياسية إلى قصر العدل في بيروت. ورداً على رفض الوزير فهمي ملاحقة اللواء إبراهيم، أحال المحقق العدلي طارق البيطار الطلب إلى النيابة العامة لدرسه، وفي حال لم يصدر عن الأخيرة أي رد في غضون 15 يوماً يسلك الطلب مسار التطبيق حكماً. وفي هذه الأثناء تمّ تسريب المراسلات بين المحقق العدلي في الملف القاضي طارق البيطار ووزارة الداخلية عبر وزارة العدل. وتوقفت مصادر قصر العدل عند هذا الأمر، ونقلت استياء القاضي البيطار من هذه التسريبات، “ما يضع مسؤولية التسريب بين 3 جهات أساسية هي وزارتي العدل والداخلية أو النيابة العامة”. وفي هذا الإطار، لا يمكن القول سوى أنّ تسريب هذه الاستنابات تعدّ شكلاً من أشكال التدخل في التحقيقات، وضرب سريّته. ولذلك فإن القاضي البيطار بصدد إجراء تحقيق حول تسريب الوثائق وتحديد المسؤوليات في هذا الإطار.

دموع عين التينة
وكثرت الدموع اليوم على مدخل قصر عين التينة. أمّ تبكي إبنها العسكري الشهيد الذي سقط في انفجار المرفأ. أخت تبكي أخاها الضحية الذي سفك دمه يوم 4 آب. أم أخرى، تبكي لأنّ عناصر أمنية دفعتها واعتدت عليها خلال منع أهالي شهداء وضحايا الانفجار من الاقتراب من بوّابة القصر. “داسوا على صور الشهداء”، قالت وبكت. والبكاء لم يتوقّف هنا. فكانت دمعة أخرى ذرفها أحد العسكريين الواقفين بوجه الأهالي خلال الاستماع إلى مآسيهم ومعاناتهم العامة. عسكري آخر أقدم على بكاء مرّ. حاول تغطية وجهه، على الأرجح خوفاً من عقوبة مسلكية. العسكري لا يبكي، لا يشعر، لا يتعب، لا ينام. لا يذرف سوى دمٍ على موائد السياسيين ومؤامراتهم. هذه الصورة التي كرّستها السلطة. فتحكم، المنظومة، جزيرة تعوم على بحر من الدموع والدماء والمآسي.

فهمي قاتل
بعد قرار الوزير محمد فهمي، اعتبر الأهالي أنّ الأخير قاتل يحمي مشتبهاً به. ففهمي، الذي اعترف قبل أشهر، بأنه قتل شخصين خلال الحرب الأهلية وحماه قائد الجيش حينها العماد ميشال عون، سبق وأطلق الوصف على نفسه. بالنسبة لأهالي الضحايا، هو جزء من المنظومة القاتلة أيضاً. وفي وقفتهم المطالبة بإسقاط الحصانات عن النواب، حاول الأهالي تجاوز السدّ الأمني الذي فرضته القوى الأمنية في محيط القصر، فحصل التدافع وكانت نتيجته تسجيل حالتي إغماء بين عدد من أمهات الضحايا. “نبيه بري مسؤول عن دماء أولادنا” قال أحدهم، وردّ آخر بأنّ “بري لا يمثّل الشيعة، ولا يعنينا التمثيل الطائفي”. يعرف الأهالي أنّ عدوّهم منذ اليوم الأول للتفجير هي السلطة التي سمحت بحدوث الجريمة.

خلاصات اليوم
في خلاصة مشهد اليوم، لا بد من القول إنّ ثمة نواباً وكتلاً نيابية تهرّبت من مواجهة المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، كما بدا إنّ إحالة الطلب إلى الهيئة العامة أمر حتمي. ولا بد من الإضافة أيضاً، أنّ حصانة النواب المذكورين ستسقط إن لم يكن خلال الأسبوع المقبل، فمع انتهاء عقد البرلمان، بعد تشكيل الحكومة أو انتهاء ولاية مجلس النواب. وبالتالي، الممطالة الحاصلة لا تعزّز سوى قاعدة سقوط السلطة السياسية مجدداً في جريمة انفجار مرفأ بيروت. ولا تعزّز سوى الشكوك حولها وحول مسؤولياتها في الجريمة التي دمّرت بيروت وقتلت 215 ضحية. كان بإمكان الكتل المجتمعة في عين التينة اليوم السير في الطلب المقدّم، لتوجيه رسالة إلى اللبنانيين عموماً وأهالي الضحايا خصوصاً بأنّ هول مجزرة 4 آب يسقط الحصانات ويعلي مطلب الحقيقة والعدالة. كان بإمكانها أن تحفظ بعضاً من ماء وجهها، لكنها لم تفعل.

ولا بد من التذكير أيضاً، أنّ تصويت الهيئة العامة على رفع الحصانة يتم بشكل علني، وبالتالي سيتبيّن حينها من هم النواب الذي وقفوا بوجه التحقيق في جريمة 4 آب، ومن دعموا استمراره. لذا، سيكون مطلب البثّ المباشر لتلك الجلسة، مطلباً شرعياً ووطنياً معارضته تزيد من مأزق السلطة الحاكمة التي جرّت البلد واللبنانيين معها إلى حفرة عميقة. وهي مستمرّة بالحفر ولم تتوقّف عنه منذ أكثر من عام.



المدن