رؤية “حزب الله” لمرحلة ما بعد الاعتذار المحتمل للحريري

ابراهيم بيرم – النهار

خلال الساعات الـ 36 الماضية تكونت لدى الدوائر المعنية بالشأن الحكومي في “حزب الله” قناعة فحواها ان سفراء الثلاثي الغربي، أي الولايات المتحدة وفرنسا (وبشكل محدود جدا) بريطانيا قد تلقّوا اخيرا ما يشبه كلمة سر موحدة عنوانها العريض: غادروا المنطقة الرمادية ونقطة الستر والالتباس الى دائرة إبداء مساحة اكبر من الفعل والتأثير في مستقبل الاوضاع اللبنانية ومفتاحها المحوري والاكثر استعجالا، أي استيلاد حكومة جديدة تقطع دابر الفراغ الحكومي القاتل المخيم منذ اشهر ثمانية وما يتداعى عنه من كوارث ومآسٍ، واشرعوا على الفور في دينامية وعملية تحريك على نحو ينفي عنكم كل اتهام بالسكوت المتعمد عن غرق لبنان في لجّة مآسيه، ويرسخ في المقابل انطباعا معاكسا.




وعليه، تشير الدوائر عينها الى انه على هدي هذا التوجه الذي لاحت بوادره وتجمعت نذره اول ما لاحت من روما حيث انعقد اللقاء الاميركي – الفرنسي مع السعودي على هامش مؤتمر للأمن هناك، أتت الحركة المشتركة للسفيرتين الاميركية والفرنسية في اتجاه الرياض تحت عنوان اشراك هذه العاصمة في تسمية خليفة للرئيس المكلف المشارِف على #الاعتذار المحتمل سعد الحريري. واعقب هذا الحراك تعمّد السفيرتين ومعهما الى حد ما السفير البريطاني في اطلاق مواقف نوعية وعقد سلسلة لقاءات واتصالات.

وتفضّل الدوائر اياها ألا تجيب مباشرة عن سؤال عما اذا كانت هذه الدينامية الاميركية – الفرنسية المفاجئة والتي انهت ضمناً عهداً من الصيام عن الفعل الحازم امتد منذ اكثر من ثلاثة اشهر، هي بمثابة رد فعل على كلام اطلقه الامين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة انطوى بشكل صريح ومباشر على توجيه اتهام، ربما يكون نادرا من نوعه للادارة الاميركية عبر سفيرتها في بيروت، بتعطيل محاولات متكررة بُذلت بهدف مدّ يد العون للاقتصاد اللبناني المتعثر والمتهالك.

ولكنها (الدوائر نفسها) تؤكد ان السيد نصرالله عندما قرر ان يوجه اصابع الاتهام الصريح والمباشر الى واشنطن بـ”خنق لبنان” عبر دفعه الى الغرق اكثر في بحر مشاكله، فانه كان يضع امامه حزمة من المعطيات والوقائع تظهر بما لا يدع مجالا للشك ان كلاً من ابو ظبي والدوحة وعدتا لبنان سابقا بوديعتين ماليتين بقصد دعم عملته الوطنية وتحسين مستوى صمودها، لكن ثمة تعليمات خفية وردت الى كلتا الدولتين دفعتهما الى الاعتذار والتراجع عن الايفاء بوعدهما. وتذكر تلك الوقائع ان الوعد بالوديعة من دولة الامارات أتى ابان حكومة الرئيس سعد الحريري الاخيرة، وان وفدا من مصرف لبنان قد وصل الى ابوظبي حينذاك ليبحث مع المسؤولين هناك في شروط تحويل الوديعة، لكنه عاد ادراجه بعدما اعتذر المعنيون في تلك العاصمة. اما وعد الوديعة القطرية فكان في الاشهر الاولى من حكومة حسان دياب.

ولا تكتم الدوائر عينها ان السيد نصرالله ما اطلق العنان لاتهامه الفج هذا إلا لكي يوجه ضمناً رسالة الى من يهمهم الامر بان السيل قد بلغ الزبى، وانه استطرادا قد صار في وارد الاعتراض على قواعد الاشتباك المعروفة الحدود مع الاميركي في الساحة اللبنانية، ولكي يعطي الاشارة الى اننا صرنا تاليا في وارد الاستعداد لما يلي ويلزم من خطوات الاحتجاج والاعتراض.

فمعلوم انه وفق هذه الدوائر ان الحزب قد مارس طوال الاشهر التي تلت تكليف الحريري دور رد الفعل او دور المتلقي والمتفاعل مع العروض، واستطرادا المستعد للتجاوب مع كل الجهود الرامية الى بلوغ تسوية ما، وتحمّل في سبيل ذلك ملامة الصديق واتهام الحليف بالتخاذل.

ومع ذلك فان الخصوم والاعداء في الداخل والخارج مضوا قدماً في حملة ضغوطهم بهدف كسر الحزب.
وعليه، فان صرخة الاعتراض العالية التي صدرت عن سيد الحزب أتت بناء على جردة استنتاجات من بينها ان شريحة واسعة من الناس لم تعد تتقبل نمط التبريرات السابقة لأسباب الازمة والمسؤولين عنها، وبدأت استطرادا في اظهار اليقين من ان الازمة يفتعلها بعض الداخل وعواصم معلومة. وبديهي ان كلام الرئيس حسان دياب في لقاء السفراء قد أتى استكمالا لكلام السيد نصرالله، لذا كان حجم رد الفعل المتوتر عليه.

ومع ذلك فان السؤال هو: هل ان الحزب يتوجس جديا من غايات مبطنة لهذا الحراك الاميركي – الفرنسي تجاه الرياض، تريد فرض امر واقع على المشهد الحكومي الضائع على نحو يعاكس توجهات الحزب المعلومة؟

تجيب الدوائر عينها انها لا تبالغ اذا كانت قد استشرفت المآلات الحالية وانها لم تُفاجأ. فالمقدمات لاحت منذ زمن، وتحديدا منذ ان اضاع الحريري فرصة التأليف التي أتيحت له في الاسابيع الاربعة التي تلت تكليفه. وعليه فان الاستنتاج هو ان احتمال اعتذار الحريري قد صار يقيناً منذ فترة. واذا كان ذلك من باب تحصيل الحاصل، فان هذا لا يعني اطلاقا ان الابواب قد فتحت على مصاريعها امام من يمكن ان يجرؤ على التصدي لخلافة الحريري، فشروط ذلك اكبر مما يظن البعض، والمشكلة باتت الآن تتمحور على نقطتين:

– في توقيت اعلان الحريري اعتذاره.

– وفي كيفية اقناع الحريري بالمشاركة في عملية تسمية مَن يخلفه.

ولا تنفي الدوائر إياها ان الرئيس نجيب ميقاتي هو من ابرز الاسماء المتداولة، ولكن دون ذلك الى الآن عقبتان:
1- ان يقتنع بألا يكون مرشحا في الانتخابات المقبلة، علما انه يردد امام زواره انه قد تجاوز النيابة.

2- ان ميقاتي سبق له ان طلب صلاحيات استثنائية لتأليف الحكومة، وهو امر لم يكن الرئيس نبيه بري قد قبل به للرئيس الحريري.
وفي كل الاحوال، تشير معلومات وردت الى معنيين بالحزب، الى ان مسألة مَن يخلف الحريري قد طرحت للتداول في لقاء رؤساء الحكومات السابقين، وان الرئيسين فؤاد السنيورة وتمام سلام لم يكونا متحمسين لتسمية ميقاتي، فتُرك الامر لمناقشات اخرى لاحقا.

وتروي الدوائر عينها ان احدا لم يفاتح الحزب باسماء مرشحين جدد لتأليف الحكومة، وانه بانتظار ذلك منفتح على مناقشة الامر بالتشاور مع الحلفاء.
ورداً على سؤال عن موقف الحزب اذا برز مَن يسمي السفير نواف سلام، تجيب المصادر عينها ان لدى الحزب اعتراضا معروفا عليه.

وهل هذا الامر ينطبق على السنيورة؟ تجيب المصادر اياها: هذا من الاصل خارج كل الحسابات، ولا نعتقد ان احدا من زملائه لديه موقف مغاير.