مروان اسكندر - النهار

حينما تغيب الأفكار الاختناق هو النتيجة – مروان اسكندر – النهار

اللبناني الذي حصل على مقدار من التعليم والخبرة، والذي عاش مع عائلته حياة هانئة سواء بتوفير العلم لابنائه، التمتع بالرياضة المفيدة، مخالطة الاصدقاء، مناقشة الافكار وتحويل الحماسة الى مشاريع مجدية، هذا اللبناني اصبح اليوم مغيّبًا عن واقع البلد.

نشهد الكثير من المحاولات الهادفة الى عرض افكار مفيدة، لكن اللبنانيين الذين واجهوا يباس التفكير الحكومي واهملوا تطبيق معايير انقاذية منذ مدة باتوا اليوم في حاجة الى الانقاذ. ولا شك في ان الالتفات الدولي لانقاذ لبنان من الانهيار ناله قسطٌ من الضجر من مجموعة بشرية كانت تتميز بالافكار والنشاطات واصبحت حاليًا مصممة على التمسك بأبسط متوجبات الحياة لا غير، لان مستوجبات النمو والمحافظة على الطموح باتت مغيّبة عن آفاق اللبنانيين وافكارهم، ومن استطاع منهم الحصول على فرص للهجرة ارتاحوا لاختبار الحياة في المجتمعات الطبيعية، ومع الوقت سيستشعرون فوائد الانتماء الى مجتمعات راقية توفر للانسان، كل انسان، فرص التطور ومعايشة الآخرين بسلام.




لبنان بالتأكيد واجه موجات من التفكير في الحلول ومعظم الافكار المطروحة كانت ولا تزال تدور حول كيفية استعادة النمو واستقرار سعر صرف العملة وتوافر الموارد المتمثلة بالعملات الحرة من اجل مقاربة فرص النمو.

هنالك الكثير الكثير من المشاريع التي تبدأ بضرورة توافر البنية التحتية، انتظام الاسعار، استقرار العدالة، العناية بأصحاب الحاجات، وتطوير كفاءات المتمتعين بمواهب فكرية. لكن عملية اطلاق المشاريع الاصلاحية لا تزال ضعيفة وغير مقنعة، أو هي موسعة الى حد بعيد كما هي افكار تحرك لبنان الانسان، وقد رأينا بصيصًا منها دون ان نتلمس كيفية المسار ومن أين.

اللبنانيون في حاجة ملحّة الى استيلاد نظام جديد لا يستند الى الطائفية، ولا يؤدي تاليا الى اعطاء المسؤولين السياسيين والاداريين وسائل السيطرة على انتظام مختلف القطاعات. ولا شك في ان لنا من مراجعة نجاح اسرائيل في تخطي مراحل دفع النمو الى الامام ما قد يفيدنا، ونحن لا ندعو الى اقتباس ما فعلته القيادة الاسرائيلية، بل ندعو الى ما حققته على اكثر من صعيد.

الاسرائيليون متهمون، من قِبل كبار العقائديين اللبنانيين بانهم يسطون على مياه الليطاني أو على قسم منها.

الواقع لكل من درس التطورات العالمية التقنية والتنفيذية ان اسرائيل انجزت خمسة معامل لتحلية المياه بطاقة خمسمئة الف برميل يوميًا، اي ما يوازي نصف حاجات السكان واكثر لان الاسرائيليين طوّروا وسائل ري تسمح باستغلال كل قطرة مياه سواء توافرت من مشاريع التحلية، او من كميات المياه الآسنة التي تعالج تكنولوجيًا لتصبح صالحة لخدمة الحاجات المنزلية.

اسرائيل وفرت اللقاحات ضد الكورونا لاكثر من 90% من السكان، اي بمعدل تجاوز النسب التي تحققت في بلدان متقدمة، حتى لو كانت تنعم بعدد سكان معقول يتمكن من هذا الانجاز.

عام 1988 كانت اسرائيل تعاني من انهيار نظامها المصرفي كليًا، فاختارت قيادتها اعادة تنظيم القطاع، وفي الوقت عينه التركيز على التكنولوجيا الحديثة خصوصا عبر انجاز معهد لتعليم ما يسمى الذكاء الاصطناعي ومنتجات الاستشفاء من الامراض المستعصية وحالات العجز عن التحرك بحرية وفعالية.

لو حاول اللبنانيون الاستفادة منطقيًا ودراسيًا من خبرة اسرائيل في معالجة انهيار نظامها المصرفي اواخر الثمانينات واستعادتها عافية النظام قبيل منتصف التسعينات، لكانت جمعية المصارف تقدمت بمشروع مدروس للانقاذ، وهذا الامر لم يحصل.

التصويب من قِبل الزعماء السياسيين وبعض الاعلاميين هو على حاكم مصرف لبنان، وكأن الرجل مسؤول عن السياسة المالية – اي السياسات الضريبية ومراقبة الإنفاق – في حين ان مسؤوليته محصورة بالسياسة النقدية، وقد شاهدنا التعدي على هذه الصلاحية من قِبل مجلس الوزراء بصورة متواترة ومن قِبل مجلس النواب باقرار قوانين مكلفة ومتسببة بهدر المال العام، كما هي الحال بالنسبة الى برامج الدعم المتبقية ودعم منتجات تذهب منها نسبة الثلث الى سوريا في مقابل ارباح لا تعوّض مصرف لبنان خسارته الاجبارية.

لقد سمعنا أخيرًا وعلى دفعتين تصريحات شجاعة ومهمة للسيدة اورور فغالي التي تولت منصب المدير العام لوزارة الطاقة، فهي صرحت قبل شهر بان دعم التهريب لمشتقات النفط بنسبة 30% من مستورداتنا سيؤدي الى خراب الموازنة، وهي في مقابلة تلفزيونية مختصرة وانما بعيدة الاهمية شرحت ان استمرار التهريب لمشتقات النفط، والادوية وحتى بعض عناصر المأكولات، سيؤدي الى افلاس الخزينة.

بالفعل تصريحات السيدة فغالي تدعو الى استفاقة المسؤولين وحضّهم على معالجة المشكلة. المشكلة هي في السياسة المالية، اي الجباية والإنفاق ومدى الاستفادة من الإنفاق، ومن دون ادراك لهذه الحقيقة المُرة لن نستطيع تجاوز الازمة بالافكار الحالية للحكم…هذا اذا وُجدت.