هل حانت نهاية التعليم في لبنان؟.. القطاع التربوي أصبح الضحيّة الجديدة للأزمات المتفاقمة

هل حانت نهاية التعليم في لبنان؟ سؤال مبالغ فيه قبل عام 2019، لكن بعد أحداث وفوضى وانهيارات اقتصادية متتالية وانسداد سياسي، بات كل شيء ممكنا في ظل انعدام الرؤى للخروج سريعا من حالة التدهور.

وأدى الانفجار الدامي في أغسطس من العام الماضي إلى القضاء على أي آمال ممكنة في إصلاح قطاعات حيوية ورئيسية في بلد يعاني من أزمة اقتصادية وخلافات وانقسامات سياسية أثرت بشكل مباشر على حياة المواطن اللبناني.




وبات لبنان يصارع من أجل توفير الوقود والدواء والخبز والأموال، في ظل انتقادات حادة للطبقة السياسية المتهمة بالتقاعس الشديد لإيجاد مخارج آمنة لتلك الأزمات المتفاقمة والاحتياجات الأساسية للبنانيين.

وقضت كريسولا فياض، التي تخرجت من جامعة السوربون الفرنسية، قرابة 20 عاما وهي تتولى تدريس التاريخ والجغرافيا في مدراس فرنسية راقية في لبنان حتى أصبحت رئيسة أكثر من قسم، أما الآن فقد أصبحت معلمة احتياطية في باريس بعد أن جرفتها موجة النزوح من النظام التعليمي الذي أوشك على الانهيار.

وتركت فياض بيتها ومدخرات العمر في أغسطس 2020 وهي في الخمسين من عمرها. وقبل ذلك بأيام أصيب المستشفى الذي يعمل به زوجها وعيادته الطبية بأضرار ضمن الدمار الذي لحق بقطاعات كبيرة من بيروت، عندما انفجرت مواد كيمياوية في المرفأ فكانت تلك هي القشة الأخيرة.

وتسبب الفساد والخلافات السياسية في انخفاض قيمة العملة المحلية بأكثر من 90 في المئة في أقل من عامين الأمر الذي دفع بنصف السكان إلى براثن الفقر وحال بين المودعين من أمثال فياض وبين حساباتهم المصرفية، ولا تشعر المرأة بالندم على الرغم من الظروف الخانقة التي تعيشها.

70 في المئة نسبة المدارس الخاصة من القطاع التعليمي حيث فاق عددها الـ1500 مؤسسة

وتقول لوكالة رويترز “دائما أقول الحمدلله أننا أتيحت لنا هذه الفرصة للمجيء إلى هنا. للأسف أنا أدرك أنني اتخذت القرار الصواب عندما أرى الحال في لبنان الآن”.

وكان القطاع التعليمي في لبنان يعد رائدا على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط وكان يحتل المرتبة العاشرة على مستوى العالم في تقرير التنافسية العالمية الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي. أما الآن فليس من الواضح كيف ستتمكن المدارس من تدبير أمورها عندما تبدأ السنة الدراسية الجديدة في أكتوبر المقبل.

ويقول رينيه كرم رئيس رابطة أساتذة اللغة الإنجليزية في لبنان، “عندما نشبت الأزمة في 2019 فاجأت القطاع التعليمي”، مضيفا “نحن في أزمة حقيقية” في لبنان.

واستغنت بعض المدارس الخاصة عن المعلمين ذوي الأجور الأعلى أي حوالي 30 في المئة من العاملين لتوفير المال في بداية الأزمة، لكن بمرور الوقت رحل الكثيرون غيرهم من تلقاء أنفسهم. ويوضح كرم أن “نصف أعضاء الرابطة البالغ عددهم 100 مدرس انتقلوا الآن إلى العراق ودبي وسلطنة عمان”.

وأصبحت المرتبات التي تبدأ من 1.5 مليون ليرة لبنانية شهريا تساوي الآن أقل من 90 دولارا بسعر السوق الحرة في بلد كانت تعادل فيه من قبل 1000 دولار.

وتمثل المدارس الخاصة 70 في المئة من القطاع التعليمي بما يفوق 1500 مؤسسة تعليمية.

ويقول رودولف عبود نقيب المعلمين في المدارس الخاصة إن كل مدرسة فقدت ما بين عشرة و40 من المعلمين حتى الآن، وإن بعضهم يبقون في منازلهم لأنهم لا يستطيعون تدبير نفقات رعاية الأطفال.

ويؤكد عبود “نحن في مرحلة البقاء على قيد الحياة فقط، الضروريات. لا توجد مدرسة واحدة الآن لا تعلن عن وظائف خالية”.

وحدث بالفعل ضم تلاميذ من عدة فصول دراسية في بعض المواد، كما أن انقطاعات الكهرباء اليومية ونقص المواد الأساسية يجعلان من الصعب تسيير العمل في المدارس.

وهذا الأسبوع ألغت وزارة التعليم الامتحانات النهائية للشهادة المتوسطة استجابة لضغوط الآباء والعاملين، الذين يصرون على أن الظروف الاقتصادية تجعل تنظيم هذه الامتحانات مستحيلا.

ويقول رينيه كرم “الوزير أراد إجراء الامتحانات، لكن ألا يعلم أن في لبنان نقصا في الورق والحبر وأن المعلمين لا يمكنهم العمل مجانا والمدارس لا يمكنها العمل دون وقود لمولدات الكهرباء؟”.

وتقول وزارة التعليم إنها ضمنت صرف أجور إضافية من متبرعين للمعلمين الذين سيشرفون على الامتحانات، لكن معظمهم انسحبوا. وأوضحت المديرة بالوزارة هيلدا خوري في رسالة بالبريد الإلكتروني ردا على استفسارات وكالة رويترز أن “أغلبية المعلمين انسحبوا تدريجيا من الإشراف وهذا ما كان سببا في استحالة إجراء امتحانات المدارس المتوسطة”، مضيفة أن امتحانات المدارس الثانوية ستتم.

ومن جهته يقول الأب بطرس عازار الأمين العام للمدارس الكاثوليكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إن الآباء في الكثير من تلك المدارس البالغ عددها 231 مدرسة في لبنان يواجهون صعوبات في دفع المصروفات السنوية التي تتراوح بين ثلاثة وثمانية ملايين ليرة.

ويضيف في نفس السياق، “لكننا أخذنا قرارا بالاستمرار وبذل أي شيء لإبقاء المدارس مفتوحة”.

وتقول موظفة حكومية إنه لم يدفع أحد حتى الآن مصروفات العام المقبل بالمدرسة، التي يذهب إليها ابناه وهما في العاشرة والسابعة من العمر. وكانت المدرسة طلبت 600 دولار عن كل طفل بالدولار الأميركي، بالإضافة إلى 12 مليون ليرة لبنانية.

وتضيف “من أين يأتي أحد بدولارات جديدة للسداد هذه الأيام؟ كلنا نحصل على أجورنا بالعملة المحلية، ولذا كيف يُفترض أن نحصل على هذا المبلغ؟”.

ويوضح نقيب المعلمين في المدارس الخاصة، وهو يجلس في واحدة من 130 مدرسة لحقت بها أضرار في انفجار مرفأ بيروت، إن بعض الآباء يسحبون أولادهم من المدارس الخاصة إلى مدارس الدولة مما يفرض ضغوطا على قطاع التعليم الصغير التابع للدولة أو ينتقلون إلى الخارج.

ويقول “نحن نشهد عائلات تنتقل من المدارس الخاصة إلى المدارس العامة وآخرين ينتقلون خارج لبنان إلى دول عربية أو أوروبا والولايات المتحدة وكندا وهذا يخلق مشكلة”. كما أن المزيد من المدرسين يتأهبون للرحيل.