الفخّ القاتل للمودعين: هذا ما اتّفق عليه سلامة والمصارف

حَمَلَ تعميم مصرف لبنان رقم 158 أفخاخًا تطيح بجزء كبير مما تبقّى من دولارات للمودعين في المصارف. وفي الوقت عينه، رفضته المصارف وحاولت عرقلة سيره نحو التطبيق، رفضًا منها الإفراج عن كميات كبيرة من الدولارات. إذ أن القرار يسمح للمودعين بسحب 400 دولار نقدًا و400 دولار وفق سعر صرف 12000 ليرة. وعادت المصارف عن قرارها معلنة قبول التعميم. فأثارت العودة تساؤلات سرعان ما ظهرت مؤشّراتها من خلال التعهّدات التي تطلب المصارف من مودعيها التوقيع عليها. وهي بمثابة تشريع للسرقة وابتزاز ورفع معدّل المخاطر وصولًا إلى حد خسارة المودع للأموال.

افعلوا ما شئتم
أراد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة تخفيف الضغط عن كاهله، ودرء الاتهامات المساقة بحقه بأنه يغطي ويشرّع استيلاء المصارف على أموال المودعين. وبعد سلسلة تعاميم لاقت استجابة سلبية، ولم تفلح سوى في تعزيز سيطرة المصارف ومنع المودعين من التصرف بأموالهم، من دون موجب قانوني، ابتدع سلامة قراره رقم 158، ملقيًا عبره مسؤولية احتجاز الودائع على المصارف حصرًا، وكأنه يقول للمودعين: بدأتُ عملية استعادة أموالكم، وما على المصارف إلاّ الدفع.

المصارف لا سيولة كافية لديها لتلبية طلبات السحب التي ستنهال عليها بكميات كبيرة، فأبدت عدم رغبتها تطبيق القرار. ما استدعى تحرّك سلامة على خط تقريب وجهات النظر والوصول إلى نقاط مشتركة ومقبولة من المصارف. ولم يتمخّض عن الاجتماعات المتكرّرة بين طرفيّ مناورة الاستيلاء على الودائع، سوى إطلاق سلامة يد المصارف لتحديد آلية تناسبها لتطبيق القرار. وبما أن أوضاع المصارف متفاوتة لجهة السيولة والأهداف والمشاريع، فلكلّ منها قدرة على الدفع أو رغبة بذلك أو امتناع، ما صعَّبَ على سلامة اتخاذ قرار يرضي الجميع. فكان الحل بأن يلجأ كل مصرف إلى “الآلية التي تناسبه بما فيها فرض قرارات خاصة على المودعين الراغبين بالاستفادة من القرار رقم 158″، على حد تعبير مصادر في القطاع المصرفي، والتي تشير في حديث لـ”المدن”، إلى أن “المصارف بدأت بتحضير ورقة بنود وشروط يوقّع عليها المودع الراغب بالسحب وفق القرار. وبعضها أنهى وضع شروطه، فيما يواصل آخرون صياغتها”.




شروط غير قانونية
الشروط التي تضعها المصارف أقل ما يُقال فيها أنها غير قانونية، أولًا لأنها تساهم في حرمان المودعين من سحب ودائعهم كما يشاؤون، خاصة وأن قانون الكابيتال كونترول لم يُقَر رسميًا بعد. ثانيًا، تتعارض الشروط مع جوهر الغاية التي يحملها قرار المركزي. فأي خطأ قد يرتكبه المودع في تقدير طريقة السحب والاستفادة من القرار، قد يحرمه من أمواله، وليس فقط من الاستفادة من القرار.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد أنهى مصرف فرنسبنك ورقة الابتزاز التي تُسمى شروطًا. وقد حصلت “المدن” على نسخة منها. وفيها من البنود ما يحوّل قرار المركزي إلى فرصة للمصارف للتخلص من حسابات زبائنها وتحويل دولاراتهم إلى خزائنها. وينص أحد البنود على إقرار المودع بتبرئة ذمة المصرف “إبراءً عامًا وشاملًا من أي حق أو مطلب مهما كان نوعه، نتيجة تنفيذ مضمون الكتاب.. رافعين عنكم أية مسؤولية مهما كان نوعها أو مصدرها لا سيما لو توقفت عملية التسديد لأي أسباب خارجة عن إرادة مصرفكم”.

البراءة المطلوبة هي في ظاهرها نتاج استعمال خاطىء للقرار، لكن أيستدعي الخطأ خسارة الحقوق؟ والأسوأ من ذلك، هو سلب المودع حق “الاعتراض أو المناقشة”. ففي بند آخر، تنص الورقة المطلوب توقيعها على أنه “في حال وجود أية إساءة استعمال من قبلنا، لاسيما في حال تجاوزنا سقف السحوبات المنصوص عليها في التعميم المذكور، يكون عندها لمصرفكم الحق المطلق بتعليق استفادتنا من أحكام هذا التعميم وأحكام التعميم الأساسي رقم 151 (السحب بموجب 3900 ليرة) تحت طائلة اتخاذ جميع الاجراءات التي ترونها مناسبة، بما فيها إقفال جميع حساباتنا لديكم، متنازلين عن أي حق لنا بالاعتراض أو المناقشة”. أي أن المودع الذي قد يرتكب خطأً أو يسهو عند استعمال البطاقة المصرفية في الدفع، أو لأي سبب كان، سيتخلّى حكمًا عن أمواله!

لن يأخذ المصرف أمواله بشكل مباشر، وإنما “سيلزم المودع بسحبها بالليرة”، تقول المصادر. وهنا، يجري تصفية الحساب وفق السعر الرسمي، بما أن المودع لن يتمكن من الاستفادة من التعميم 151 وسحب ودائعه وفق سعر 3900 ليرة. فأحد البنود ينص على التنازل “بصورة نهائية عن حقنا بالاستفادة من أحكام التعميم رقم 151”. وأيضًا، تضرب البنود المستجدة مبدأ السرية المصرفية التي لطالما تغنّت بها المصارف، إذ على المودع الإقرار بأنه يُعفي المصرف من موجبات السرية المصرفية في إطار تطبيق القرار “تجاه أي جهة كانت لا سيما الرسمية وغير الرسمية، والجهات القضائية ومركزية الحسابات الخاصة المتفرعة لدى مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف”. وكذلك لم يجرِ تحديد هوية الجهات الرسمية وغير الرسمية التي ستطّلع على الحسابات.

كسب الوقت
يعرف سلامة أن قراره قد لا يُنَفَّذ بالصورة المطلوبة، وأن إشكالات عديدة قد تواجهها المصارف في معرض تطبيقها القرار، لكنه يراهن على كسب الوقت والهروب للأمام، علَّ المتغيّرات السياسية تنقذه، إما بالحل وإما بالهدم الشامل. وإلى حينه، سيوافق بعض المودعين على القرار ويكسبون بعض الدولارات، فيما ستعلق المزيد من الحسابات في أدراج المصارف التي ستحافظ على الدولارات في جيبها. ومَن لا يعجبه، فليسحب بالليرة. والمودع في هذه الحالة سيقع فريسة المفاضلة بين المُر والأمَرّ، بين السحب بالشروط المجحفة وبين مواجهة احتمالات مستقبلية غامضة، ليس آخرها الهيركات أو الكابيتال كونترول أو قرارت تعسفية أخرى.


المدن